تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
معروفة قبل معرفة قواعدها ، وكذلك الشعر عرف وسار ودار قبل معرفة علم العروض . ومهما يكن الأمر ، فإن هذه المحنة قد عادت على الأمة بنتيجة إيجابية تتمثل في التمسك الأشد وبالإيمان الأقوى بالإمامة الرشيدة لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه ، كما أنها أنتجت للأمة - على الجانب الآخر - آدابا سامقة ، وعلوما رفيعة ، وفلسفات عميقة ، وتأملات منتجة ، وأفكارا ولودا ، أثرت الجانب الفكري للإسلام وأسست له صرحا عاليا في مجال العلم والجدل والمنهجية والتنظير والتقعيد على كل الجوانب وفي كل الاتجاهات ، وتعد تلك المحنة بحق أمارة على حيوية هذا الدين وعلى قدرته الفائقة في استنهاض العقول وإثارة الأذهان مع رسوخ العقيدة وتنامى الإيمان . فالإسلام مهما تكاثرت ثماره وامتدت فروعه ، ومهما حطت الطيور على أغصانه لا ينكسر جذعه ، ولا يهتز ساقه ، ولا يذبل عوده بل يزداد أعلاه سموقا وجنى ونضارة ، ويزداد أسفله بالاحتكاك كذلك قوة ورسوخا وصلابة . وهذه هي عظمة القرآن ، ولولا المحنة لما كان علم الكلام ، ولما استوى للمسلمين حركة فكرية على قدمين . وعلم الكلام ليس بأقل أهمية من علم الفقه أو الأصول ، وبخاصة عند مقارعة أهل الحضارات المادية وأصحاب الميول العقلية والاتجاهات الجدلية والفلسفية من أهل الأديان والحضارات الأخرى ، ومع من كان طبعه كطبعهم وشربه كشربهم ؛ ومن تقلد طريقتهم وتشبه بهم . يقول الإمام الغزالي عن علم الكلام : " وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة ، وحراستها عن تشويش أهل البدعة " « 1 » ؛ وينبغي علينا أن نحمل ما ورد عن بعض السلف في ذم علم الكلام ، على أنه كان نتيجة لما اقترن به أحيانا من مساوئ الجدل والخصومات ، والمحن والتهم بين المتجادلين . وأيضا لما صاحب كثيرا من المتكلمين من قلة الورع ، والتعصب الأعمى ، والاستغناء بالتقعر في البحث ، والنظر عن العمل ، والتأدب بأدب الإسلام ، وترجمة القرآن إلى واقع ملموس في حياة المسلمين .
هامش
( 1 ) المنقذ من الضلال القاهرة . دار المعارف ص 331 . تحقيق الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود ص 331 . وقد حققناه وترجمناه إلى الإنجليزية ؛ انظر : أيضا ابن عساكر تبيين كذب المفترى ص 330 .