للّه صفات ، وهل الصفات بمعنى الذات ؛ أم هي زائدة عليها ؛ وهل هي ملازمة أم مفارقة ؟
وهل كلام اللّه قديم ؟ وهل القرآن باعتباره كلام اللّه مخلوق أم غير مخلوق ؟ وكان أول من قال " القرآن مخلوق " هو الجعد بن درهم ، مؤدب مروان بن الحكم آخر خلفاء بنى أمية ، وكان زنديقا فاحش الرأي قبيح اللسان ، وصاحبه الجهم بن صفوان ، وهو من الزنادقة أيضا ، وقد أثارت آراؤه الفتنة بين المسلمين ، في خلافة الرشيد ، حتى قتله خالد القسري ، بأمر هشام بن عبد الملك عام 118 ه ؛ ويرجع تاريخ القول بخلق القرآن أصلا إلى لبيد بن الأعصم اليهودي الذي كان يقول : " إن التوراة مخلوقة ، فالقرآن كذلك مخلوق " « 1 » .
وأول من عرف بالقول بأن كلام اللّه تعالى قديم ، هو عبد اللّه بن سعيد بن كلاب ؛ ثم افترق أصحابه ، فمنهم من قال كلام اللّه معنى واحدا قائما بذات اللّه تعالى ، ومعنى القرآن كله وكتب الأنبياء السابقين هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يتعدد ولا يتبعض ؛ وهذا كلام فاسد ، لا يقوم عليه دليل نقلي أو عقلي ؛ إذا كان كلام اللّه واحدا كما يزعم الكافر ، فكيف إذن صار بعضه توراة ، والبعض الآخر صحفا وزبور ومزامير وإنجيلا وقرآنا ؟ وكيف تنوع فيه الخطاب بين الأمر والنهى ، والجواز والوجوب ، والصلاة والزكاة والصوم والحج ، والأفعال والصفات ، وأوصاف الجنة والنار ، والتقوى والنفاق ، والكفر والإيمان ، والزواج والطلاق ، والمتعة والنفقة ، والمدح والقدح ، والوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، والقصة والمثال ، والناسخ ، والمحكم والمتشابه « 2 » . إن اعتقاد السلف في القرآن أنه كلام اللّه ، وما يسمعه الناس بآذانهم ، ويقرءونه بأصواتهم ، ويكتبونه بأيديهم في قراطيسهم وبأحبارهم ، وما بين اللوحين كلام اللّه تعالى ، وكلام اللّه غير مخلوق .
واللّه سبحانه وتعالى يقول :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
( 22 ) ( البروج : 21 - 22 ) . فرق اللّه تعالى بين القرآن واللوح ، وهكذا فالقرطاس ، واللوح الذي يكتب عليه القرآن ، والمداد الذي يكتب به ، كلها أدوات مخلوقة كائنة في زمان ومكان معينين . وكذلك صوت قارئ القرآن هو مخلوق ، وصادر عنه من فمه وحنجرته ورئته .
ويتضح هذا من قول رسول اللّه " زينوا القرآن بأصواتكم " . فنسب الأصوات إلينا لا
هامش
( 1 ) انظر مصطفى صادق الرافعي . إعجاز القرآن والبلاغة النبوية دار الفكر العربي 1926 ص 143 .
( 2 ) انظر : الإمام بن تيمية . رسائل وفتاوى . ط . الرياض ص 3 / 28 ، 29 .