تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
الباب الثامن القرآن في حياة المسلمين وفكرهم « 1 » يرى ويلش أن القرآن بالنسبة للمسلمين ، يعتبر شيئا أبعد بكثير جدا من أن يكون مجرد كتاب مقدس ، أو نص أدبي ديني ، بالمفهوم الغربى المعتاد ؛ ولكننا مع هذا لا نوافقه البتّة على أن اهتمام المسلمين ، بالقرآن جعلهم يكتفون بتناقله شفهيا فحسب طوال حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم . فالقرآن - بخلاف ما يدّعي هذا الكاتب - كان يتناقل شفهيا وكتابيا بعناية وضبط بالغين . وقد سبق أن عرضنا لهذه الدعوى ، وناقشناه وعارضناه فيها بالدليل الدامغ ، وأثبتنا للقارئ بكل وضوح سلامة النص القرآني من كل دخيل ، واستحالة تحريفه بأي وجه من وجوه التحريف والتبديل ؛ فقد كان مكتوبا محفوظا في صدور المسلمين ، كبارا وصغارا ، نساء ورجالا ، في حياته صلى اللّه عليه وسلم ، ومحفوظا عمليّا كذلك في أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم ، وأخلاق أصحابه الأولين الذين كانوا قرآنيين سمتا وسلوكا ؛ فقد اهتموا بالقرآن ، وجعلوا فيه وجدهم ووكدهم ، وضبطوا حياتهم على أحكامه ، وترنموا به ليلهم ونهارهم ، قرءوه مرارا في صلواتهم وعباداتهم ، وتلوه سرا وجهرا في جماعة أو مع أنفسهم ، وحكّموه في قضاياهم ، وفي خصوماتهم ، ومناكحهم ، وجنائزهم ، وتعليمهم ، ومدارستهم ، ومحاوراتهم ؛ وقدموا في كل ما كتبوه دليل القرآن على دليل العقل ؛ وينبغي أن يكون معلوما أن كون الصحابة تلقوا القرآن واهتموا به وحفظوه لا يعنى مطلقا أن القرآن لم يكن مكتوبا ولا مجموعا في الصحف ؛ هذا ما لا يتصوره عاقل . إن جميع المنافذ إلى الطعن في جمع القرآن مسدودة في وجه الكاتب ، وفي وجه المستشرقين والمستغربين من المسلمين ؛ وقد أثبتنا أن المصحف كان مكتوبا على صحف ، وأباطى ، وعظام ، وجلود ، وجريد نخل ، وعلى الأحجار المستدقة المستطيلة ، وغيرها ، في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ثم نقل إلى الصحف في عهد أبى بكر ، ثم ضبطت الكتابة والقراءة على مثال قراءته صلى اللّه عليه وسلم في العرضة الأخيرة في مصحف عثمان ؛ هذا من المقرر الثابت .
هامش
( 1 ) هذا الموضوع لا يحتمل التقسيم إلى فصول كالأبواب السابقة ، نظرا لوحدة موضوعه .