ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى موضوع آخر له أهميته وأثره في التاريخ الإسلامي ، وفي تشكيل العقلية الجدلية أو الفلسفية عند المسلمين ، ذلك هو موضوع " تأثير القرآن في علم الكلام الإسلامي وتوجيهه له " ؛ والقرآن في الحقيقة وواقع الأمر يمثل قاعدة الاعتقاد والتشريع والأخلاق الإسلامية ومصدرها ؛ وهو كذلك يمثل القاعدة والسناد للعقلية الإسلامية ، وهو ينبوع العلوم والمعارف الإسلامية ، وأسّ حضارة العرب والمسلمين ورأسها .
فالعرب لم يكونوا من أهل الجدل ولا من أهل الفلسفة والنظر ، ولم تقم بينهم كذلك مدارس فكرية ولا مذاهب عقائدية ، ولا تيارات سياسية ، ولا خصومات عقلية مذهبية قائمة على البحث والتفكر والتقعيد والتنظير ، والرد والمعارضة . ولقد استمر العرب على هذا الحال حتى جاء القرآن فأعاد صياغة العقلية العربية ، ورأب صدعها ، وعدّل اتجاهها ، ووسع آفاقها ، وجبر عجزها ، وفتح أمامها عوالم جديدة ، وأمدها بفيوضات من العلوم والآداب لم تكن تعرفها ، ولا تصوّب النظر إليها ، ولا تبلغها مطيها . لقد أوجد القرآن لنفسه المؤيدين له والمعارضين ؛ وبين التأييد والمعارضة ، تتفتح أزهار الأفكار وتنطلق الآراء من أكمامها ، وتتلاقح العقول وتفيض العلوم وتبرز المعارف . وتاريخ الفكر الإنساني كله لا يعدو أن يكون كذلك تاريخا للاحتكاك بين المؤيد والمعارض ، بين المؤمن المسلم والجاحد الشاك ، بين الباحث الوقاف على الحق والملحد المندفع إلى الإلحاد والكفر ، مع اللجاجة إلى غير مدى وعلى غير هدى . القرآن هو مصدر علم الكلام الإسلامي ومركز عصبه ؛ وإذا رحنا نتلمس مصادر أخرى لهذا العلم المهم ، والذي ولّد هو بدوره علوما أخرى مهمة كذلك ، كنا كمن يبحث عن اللآلئ في رمال الصحراء وعن النخيل في قاع المحيط . القرآن هو أصل علم الكلام ، وهو أيضا أهم موضوعاته ؛ فالمتكلمون قد أمعنوا فيما احتوى عليه القرآن من العقائد والنبوات ، ومن الوحدانية والتّنزيه المطلق للذات ، وصفات اللّه تعالى ، والنبوة ، وعصمة الأنبياء ، والوحي ، وطرق الخطاب الإلهى ، والقضاء والقدر ، والخير والشر ، والجبر والاختيار ، والكبائر والصغائر ، والثواب والعقاب ؛ إلى آخر ما هنالك من الموضوعات التي جاء بها القرآن . لم يجد علماء الكلام مندوحة في أن يبحثوا في الأصل ذاته - أعنى القرآن - وذلك باعتبار تعلقه بصفة الكلام فاختلفوا لما نظروا ، هل
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 348
مساهمون: محمد محمد أبو ليلة
ص٣٤٨