على أن يدعى في المعارضة أكثر من محاكاة القشرة الخارجية للقرآن أما ما حواه القرآن من علوم ومعارف فليس يستطيعها إنسان البتّة ، بل ولا مجموع العالمين ، في الأولين والآخرين . ومع هذا فقد أعلن الزنديق ابن الراوندي عجزه وسلم بإعجاز القرآن كما صرح به للجبائى « 1 » . وإذا صح هذا الخبر فإن القول باحتمال توبته ورجوعه يصبح ممكنا ، ولكنه على أي حال فإن ابن الراوندي كان مريضا عقليا ، ومصابا بأزمة نفسية حادة أفقدته الثقة في نفسه ، وبالتالي في دينه ، فراح يطعن في القرآن والنبي صلى اللّه عليه وسلم والأنبياء ويجدف على اللّه بكلام ككلام الممرورين ، وهكذا ينبغي أن نأخذ كتاباته على أنها أعراض أمراض ليس فيها علم يستفاد ، ولا فكر يستجاد ، هذا مع ما قيل من أنه فزع من دعواه ، وعاد لدينه الذي قلاه ، ومات على الإيمان بإعجاز القرآن ؛ وقد زعموا أيضا أن ابن المقفع حاول معارضة القرآن وعاناه مدة ثم استحيا من إظهار ما لفّقه فمزّقه .
وقد رمي ابن المقفع كذلك في دينه واتّهم في عقيدته ، وأيا كان الأمر فهذه هي أثاره ، " كليلة ودمنة " والأدب الكبير والأدب الصغير خذها فاقرأها وأمعن النظر فيها وتأملها ، ثم انظر في القرآن ، وقارن ، فسوف تجدها لا تصل في بلاغتها وفصاحتها إلى ما تصل إليه ذبالة شمعة تحت ضوء الشمس الساطعة في رائعة النهار بالنسبة للقرآن .
ولقد زعم بعض المرجفين أن أبا الطيب المتنبئ ( ت : 354 ه ) قد حاول معارضة القرآن ؛ ونحن لم نطلع للمتنبي على كلام في معارضة القرآن لا شعرا ولا نثرا ، أما عن ادعاء أبي الطيب النبوة فهو أمر محتمل ، إذ أن له أشعارا تدل على رقة دينه ، وتجرؤه على الأنبياء ، على سبيل المثال قوله في مدح سيف الدولة :
إن كان مثلك كان أو هو كائن * فبرئت حينئذ من الإسلام
ولقد اجتمع للمتنبي مع ضعف الوازع الديني وجوده في بيئة كانت تتلاطم فيها الأفكار الطائفية للشيعة القرامطة ، والإسماعيلية ، وآراء الفلاسفة والملاحدة ، هذا فضلا عن التيارات السياسية . « 2 »
هامش
( 1 ) انظر عبد الرحمن العباسي . معاهد التنصيص القاهرة . بولاق 1274 ه 1 / 76 والخياط . كتاب الانتصار مقدمة الناشر ص 2 ، 3 .
( 2 ) انظر عباس محمود العقاد . مطالعات في الكتب والحياة . القاهرة . دار المعارف ط 4 ، 1987 ص 121 - 125 .