مع النفس من أجل الحق وتوطينا لها على الصدق ؟ ! وإذا قيل إنهم لم يعارضوه لرأى كان أقوى في نفوسهم وأجدى لهم في تقديرهم وهو مناجزتهم إياه الحرب والسعي في هلاكه ليستريحوا منه ، وكراهة منهم للدخول معه في حوار يقتضى طول الكلام فيتمادى الزمان وتكثر دعاوى الفريقين ، ويخفى موضع الفضل بين الكلامين ؛ أو ربما اشتد النزاع وانحاز المحكمون فرأوا لهذا أن يجهزوا عليه وعلى دعوته بالقوة التي كانت في أيديهم ، نقول ما هذا برأي يمكن أن يصدر عنهم أو يتخيّل منهم ، فقد تحداهم القرآن لا أن يأتوا بمثله كله وإنما ببعضه ، حتى ولو بسورة منه ، فاختصر لهم الطريق وقرب لهم الهدف ، بل لقد تحداهم اللّه بما يستثير حماستهم ويلهب عصبيتهم فلم ينتهضوا للتحدى ، وكان شعراؤهم وخطباؤهم إذا استثيروا أتوا بالبدائع والروائع ، وكان ذلك منهم طبعا وخليقة ؛ ولقد بلغ شعراء شعر النقائض في ذلك الشأو البعيد وحازوا فيه قصب السبق .
ذكر أبو حيان التوحيدي أن بندار الفارسي سئل عن موضع الإعجاز في القرآن فقال : " هذه مسألة فيها حيف على المعنى وذلك أنه شبيه بقولكم موضع الإنسان من الإنسان ، بل متى أشرت إلى جملته فقدت حقيقته ودللت على ذاته ، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شئ منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ، ومعجزة لمحاوله ، وأهدى لقائله ، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض اللّه في كتابه ، ولذلك حارت العقول ، وتاهت البصائر عنده " « 1 » .
تجادل الجبائي وهو من علماء النظر مع ابن الراوندي الزنديق « 2 » في نظم القرآن وأسلوب القرآن وليس في هذا فقط سر إعجاز القرآن من حيث النظم والأسلوب ، والسبب في تركيز الجبائي على هذه المعاني فقط هو أنه اعتبر حال المخاطب ، فهو لا يقدر
هامش
( 1 ) السيوطي معترك الأقران في إعجاز القرآن 1 / 10 ، 11 ، وانظر : الجرجاني دلائل الإعجاز ص 37 والزرقاني مناهل العرفان في علوم القرآن 2 / 355 .
( 2 ) توفى ابن الراوندي على أرجح الأقوال سنة 293 ه ويتوقع أنه من أصل فارسي ، ولد في أوائل القرن الثالث الهجري ونشأ في بغداد ، وكان من أتباع بشر بن المعتمر في أول أمره وكان مثله معتزليا ، ولكنه لما أظهر كفرياته طردته المعتزلة فلجأ إلى الشيعة فلم يجد فيهم ظهرا يحميه أو نصيرا يؤويه فانتهى أمره إلى الزندقة والإلحاد مقتفيا أثر ابن عيسى الوراق الزنديق .
لجأ هذا الكافر إلى ابن لاوى اليهودي وألف بمشورته كتبه التي يطعن فيها في الإسلام والقرآن ويروج فيها لإلحاده . يقال إن الفاقة والشعور بالمهانة كانا من وراء إلحاده .