وقيل أيضا أن أبا العلاء المعرى ( ت : 449 ه ) ، قد حاول ذلك ، ولكن لا يوجد لدينا دليل يؤكده . ومن المفيد في هذه القرينة ، أن نقتبس كلام مصطفى صادق الرافعي ، بشأن تحدى القرآن لخصوم القرآن الذي يقول فيه : " المعارضة نصف الحق وإن هي لم تكن حقا لأنها تبينه وتجلوه وتقطع عنه الألسنة وتنفى عنه الظنة ، ومن هنا يظهر لك السر المعجز الغريب البالغ منتهى الدقة في القرآن الكريم ، فإن هذا الكتاب من دون الكتب السماوية والأرضية هو وحده الذي انفرد بتحدى الخلق وإثبات هذا التحدي فيه ؛ وبذلك قرر أسمى قواعد الحق الإنسانى ووضع الأساس الدستورى الحر لإيجاد المعارضة وحمايتها ، وأقام البرهان لمن آمنوا على من كفروا ، وكان العجز عنه حجة دامغة معها من القوة كالذي مع الحجة الأخرى في إعجازه ، فسما بالحجتين جميعا وذلك هو المبدأ الذي لا استقلال ولا حرية بغيره ، وما الصواب إذا حققت إلّا انتصار في معركة الآراء ، ولا الخطأ إلا اندحار فيها لا أقل ولا أكثر ؛ وبهذا وحده يقوم الميزان العقلي في هذه الإنسانية " « 1 » .
ويقول ابن قتيبة في تحليل مفهوم البلاغة القرآنية : " والخطيب إذا ارتجل كلاما في نكاح أو حمالة ( دية ، أو غرامة ) أو تحريض ، أو صلح ، أو ما أشبه ذلك ، لم يأت به من واد واحد ؛ بل يفتن ، فيختصر تارة ، إرادة التخفيف ، ويطيل تارة ، إرادة الإفهام ، ويكرر أخرى ، إرادة التوكيد ، ويخفى بعض معانيه ، حتى يغمض على أكثر السامعين ، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين ، ويشير إلى الشيء ، ويكنى عن الشيء ؛ وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل ، وكثرة الحشد وجلالة اللقاء . ثم لا يأتي بالكلام كله مهذبا كل التهذيب ، ومصفى كل التصفية . بل تجده يمزج ويشوب ( يخلط ) ليدل بالناقص على الوافر ، وبالغث على الثمين ، ولو جعله كله نجرا ( لونا ) واحدا لبخسه بهاءه وسلبه ماءه . ومثال ذلك الشهاب من القبس تبرزه للشعاع ، والكوكبان يقترنان ، فينقص النوران ، والسّخاب ( القلادة ) ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان ولا يحمل كله
هامش
( 1 ) تحت راية القرآن ص 213 .