تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
متحفظا من استنهاض همم فصحائهم مع أن العرب أهل تحدّ وعصبية ، فلم يعارض القرآن أحد منهم ، ولو عارض هذا الكتاب معارض لنقل إلينا كما نقل القرآن نفسه ، وكما نقلت مواقف الكفار وأقوالهم ضد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بل كما نقل إلينا كلام مسيلمة والأسود العنسي وطليحة مع ركاكته وسخافته ، وقصوره البالغ عن مواجهة القرآن فضلا عن معارضته ، ولا يمكن أن يقال إن القادرين على المعارضة من العرب كانوا قد امتنعوا منها خوفا على أنفسهم من بطش محمد وأتباعه ، فإن العرب لم يكونوا يخافون أحدا أو يخفون عداءهم خوفا من أحد ؛ بل لقد واجهوا محمدا وطاردوه وعذبوا أتباعه وشردوا بهم ؛ كما لا يمكن أن يقال إن الذين كانوا أهلا لمعارضة القرآن قد تواطئوا مع محمد ، فهذا افتراض ساقط لم يصل إلينا مثله ، فإن العرب جميعا عامهم وخاصهم قد تواطئوا لا مع محمد صلى اللّه عليه وسلم بل ضده ، ولم تجتمع العرب جميعا على شئ البتّة كما اجتمعوا على عداوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ومناهضته والطعن فيما جاء به عن اللّه . ولقد كان البلغاء والفصحاء العرب أكثر من أن يحصوا كالأعشى الكبير وهو من الطبقة الأولى ومثله ممن مات على كفره ، وكعب بن زهير وهو في آخر العمر وهو في الطبقة الثانية وقد أسلم واتبع محمدا صلى اللّه عليه وسلم بعد عداوة لدود ولجاجة عنود ؛ ولقد كان لبيد والنابغة الجعدي من أهل الطبقة الثالثة ، وقد أسلموا بعد زمن طويل ، ولو تواطأ هؤلاء الأقربون مع محمد صلى اللّه عليه وسلم فكيف بفصحاء العرب الآخرين المنبثين في الأنحاء المختلفة والأرجاء المتعددة ؛ بل كيف يتأتى ذلك من بلغاء اليهود وشعراء النصرانية المناوئين « 1 » . ثم لأي شئ كان تواطؤهم ، ألمال محمد الفقير ؟ أم لقوته التي لم تكن لتحمى أصحابه المعذبين في مكة . ؟ أم لأنهم وجدوا أن في القرآن ما أعجبهم وأطربهم وألزمهم الحجة وألجأهم إلى التسليم فسكتوا « 2 » وكتموا وهل يسمى ذلك تواطأ مع محمد أم تواطأ
هامش
( 1 ) انظر : أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي ( 319 - 388 ه ) بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن . دار المعارف 1956 ص 35 . ( 2 ) في ثنايا كلامنا تخللت عبارات من كلام الشيخ محمد بن الحسن الطبرسي ت : 460 ه النجف 1399 ه - 1979 م ص 269 وما بعدها .
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 306 | محمد محمد أبو ليلة