تمهيد
نقول في التمهيد لكلام المستشرق ويلش في هذا الموضوع إن للقرآن نظامه الخاص وتركيبه المنفرد ، وأساليبه العجيبة وموضوعاته الرائعة والمتنوعة وإنما يعرف قيمة القرآن وفضله من كثر فيه إمعانه وازدادت فيه معارفه ، واتسع علمه ، وتثقف بالعربية لسانه ، وفهم مذاهب العرب ولهجاتها ومواقع كلامها ورموزها وإشاراتها ، وافتنانها في الأساليب ، وما اختص اللّه به لغتها دون جميع لغات العالمين من فضل ، فإنه ليس في جميع لغات الأمم ، أمة أوتيت من العارضة ( قوة الكلام والقدرة على تنقيحه ) والبيان ، واتساع المجال ، ما أوتيته العرب خصّيصى من اللّه لما أرهصه ( أثبت به ) من الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأراده من إقامة الدليل على نبوته بالكتاب ، فجعله علما ، كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه « 1 » .
وكتاب المسلمين قاطع وكلمتهم متفقة على أن القرآن معجز ؛ وأنه بعد أن تحدى اللّه تعالى به الإنس والجن فعجزوا ، ولا يزالون ، لا يمكن لأحد من البشر أن يأتي بمثله ولا جذله . تأليف القرآن ونظمه مستحيل من العباد كاستحالة الجواهر أن تصير أعراضا ، أو الأعراض جواهرا ، كان القرآن ولا يزال هو دليل نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ومصدر دعوته ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعلن أن اللّه خصه بهذا القرآن وأظهر ذلك لقومه واضحا ، وأن جبريل عليه السلام كان ينزل عليه به وذلك معلوم ضرورة ، ولا يمكن لأحد دفعه ، وهذا غاية التحدي في المعنى ، وفيه حث واستثارة على إظهار معارضته إن كانت مقدورة لأحد ، وأيضا فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم ادعى النبوة ودعا الناس إلى تصديقه ، ونبذ ما هم عليه من دين ألفوه وعادات اعتادوها وآثروها ، ومن ادعى ذلك ودعا إليه الناس وجب بحكم العقل والمنطق أن يقدم لهم دليلا على صحة دعواه حتى يفحصوه ويتأملوه ، قبلوه أو ردوه ، وكان القرآن هو حجة النبي صلى اللّه عليه وسلم ودليله الدائم والباقي ، وقد تحداهم به ودعاهم إلى معارضته لا خائفا من بلغائهم ولا
هامش
( 1 ) ابن قتيبة . تأويل مشكل القرآن تحقيق السيد أحمد صقر . القاهرة . دار التراث 1393 - 1973 ص 12 .