ووافق ابن جني الكوفيين في هذه المسألة ، فقال في قراءة من قرأ :
جَهْرَةً
[ البقرة 55 ] و
زَهْرَةَ
[ طه 131 ] بفتح الهاء في كلّ :
« مذهب أصحابنا في كل شيء من هذا النحو مما فيه حرف حلقي ساكن بعد حرف مفتوح : أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه ، كالزّهرة والزّهرة ، والنّهر والنّهر ، والشّعر والشّعر ، فهذه لغات عندهم كالنّشز والنّشز ، والحلب والحلب ، والطّرد والطّرد .
ومذهب الكوفيين فيه أنه يحرك الثاني لكونه حرفا حلقيا ، فيجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه ، كالبحر والبحر ، والصّخر والصّخر .
وما أرى القول من بعد إلا معهم ، والحقّ فيه إلا في أيديهم . وذلك أنني سمعت عامة عقيل تقول ذاك ولا تقف فيه ، سائغا غير مستكره ، حتى لسمعت الشجري « 1 » يقول : أنا محموم بفتح الحاء ، وليس أحد يدّعي أن في الكلام ( مفعول ) بفتح الفاء .
وسمعته مرة أخرى يقول - وقد قال له الطبيب : مصّ التفاح وارم بثفله « 2 » - واللّه لقد كنت أبغي مصه وعليته تغذو « 3 » بفتح الغين ، ولا أحد يدّعي أن في الكلام ( يفعل ) بفتح الفاء .
وسمعت جماعة منهم ، وقد قيل لهم : قد أقيمت لكم أنزالكم من الخبز ، قالوا : فاللّحم ؟ يريدون اللّحم بفتح الحاء .
وسمعت بعضهم وهو يقول في كلامه : ساروا نحوه بفتح الحاء ، ولو كانت الحاء مبنية على الفتح أصلا لما صحت اللام لتحركها وانفتاح ما قبلها ؛
هامش
( 1 ) محمد بن العسّاف ، الشجري ، العقيلي ، الجوثي ، التميمي : شاعر ، أحد الأعراب الذين أخذت عنهم اللغة . انظر الخصائص : 1 / 76 .
( 2 ) الثفل : ما يتبقى من المادة بعد عصيرها .
( 3 ) غذا الشيء : سال أو أسرع ، كأنه يريد أن ثفل التفاح يسبقه فيزدرده .