تخف وتنكسر بظهور أحد الأئمة المشاهير الذي أسس لأصول فهم الإسلام متفقا مع الحكمة الصافية المهذبة من الشطط ، عندما ألّف بين أهل الفقه وأهل الحديث وأهل التصوف - فما كدنا أن نصل إلى القرن السادس الهجري إلا وأصبحت الثقافة الإسلامية راسخة القواعد ، متينة البنيان ، « تتراص فيه المعارف الحكمية والمعارف الدينية ، وتشد فيه الفلسفة الشرعية على أنها خادمة لها ، كما هو مذهب الأشعري ، لا على أنها مسيطرة عليها كما كان مذهب المعتزلة » « 1 » .
إن ذلك أذن بمولد مفسّر عظيم : إنه الإمام الرازي ، وكانت طريقته تقوم على إدراك الرازي « ما في القرآن من أسرار حكمية ، وبث ما تضمنه من مطالب فلسفية وعلوم طبيعية ، وإنما هي طريقته الكلامية المختارة المتبعة لمنهج الغزالي ، وإمام الحرمين والباقلاني وأبي إسحاق الأسفراييني ، والإمام أبي الحسن الأشعري » « 2 » .
ثم تتالت التفاسير القرآنية الأخرى كتفسير البيضاوي الذي درج معتمدا على تفسيرين عظيمين هما « الكشاف » للزمخشري ، و « التفسير الكبير » للفخر الرازي فجعل اعتماده في بيان الألفاظ والتراكيب وتحليل المباني لاستخراج نكت المعاني على تفسير الكشاف ، واعتمد في إبراز روح الحكمة القرآنية وعرض نظرياتها من نواحي الفلسفة وأصول الدين وأصول الفقه على المرجع في ذلك وهو تفسير الإمام الرازي » « 3 » .
وعندما نقول : إن البيضاوي اعتمد على تفسيري « الكشاف والكبير » لا يعني هذا أنه قلدهما دون أن يأتي بجديد ، بل إن قيمة تفسير البيضاوي تأتي من كونه اعتمد الاختصار ، ودقة التعبير ، والتزام المصطلح العلمي ، والإشارة إلى ما يتفرع عن التعبير من معان يكتفى بحضورها في الذهن عن ذكرها . . . بذلك عظم صيت الكتاب ، وطار ذكره وأقبل الناس عليه إذ وجدوا فيه الضالة المنشودة من التفسير العلمي على الطريقة التحليلية اللفظية ، التي عظمت بها من قبل شهرة تفسير الكشاف » « 4 » .
ثم تتابعت التفاسير مثل تفسير ابن عرفة وتفسير أبي السعود والشهاب الألوسي الذي أخرج كتابه التفسير المشهور « روح المعاني » الذي جمع بين علم التصوف والذوق وتحليل المعاني ودلالة التركيب .
هامش
( 1 ) محمد الفاضل بن عاشور ، التفسير ورجاله ، ص ( 81 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص ( 87 ) .
( 3 ) المصدر نفسه ، ص ( 107 ) .
( 4 ) المصدر نفسه ، ص ( 113 ) .