تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
مؤسس طريقة التفسير الأثري النظري في القرن الثاني ، ومحمد بن جرير الطبري هو ربيب تلك الطريقة وثمرة ذلك الغراس » « 1 » وهو من الأئمة المجتهدين في الفقه والحديث ، . . . وشارك البخاري في كثير من شيوخه ، وهو من رجال التاريخ والمعرفة الواسعة المفننة بالأحداث والرجال . وكان لتفسير الطبري الشهرة الواسعة إذ نقل إلى الفارسية في القرن الرابع ، واعتنى به دارسو المشرقيات اعتناء زائدا ، لأن هذا التفسير قد اكتسب على يد مؤلفه الطبري « صبغة جديدة بحق ، لعلها هي التي سمحت له أن يختار الدلالة على صيغة كلمة ما كان يختارها متعاطو التفسير من قبله ، وهي كلمة التأويل فسمّي تفسيره باسم « جامع البيان عن تأويل القرآن » والتزم كلمة التأويل في ترجمة كل فصل من فصوله » « 2 » . وحاول بمنهجية علمية جادة التوفيق بين المعقول والمنقول بنقد الرواية ومقارنتها مع أشباهها أو مع ما يتقاطع معها . وهكذا شق علم التفسير طريقه ، وهذا الطريق كان له منعطفات ووديان وصعدات . خاصة أن التفسير بالمأثور لقي نقدا شديدا عبر مسيرة التفسير لاختلاط مصطلح الأثر بالأخبار الواهية ، أو بما ورد من واهنات أهل الكتاب ، غير أن بعض العلماء انبرى بقوة للذّود عنه ممحصا ومنقرا وأبرزهم الإمام البخاري الذي عاصر الطبري ، الذي شاركه ببعض أشياخه كما ذكرنا سابقا . راح البخاري العالم الناقد البصير يتحرى ألفاظ اللغة وصحة استعمالاتها وأصولها الاشتقاقية ، وينقر عن صحة الأقوال المنقولة المنسوبة إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم والصحابة رضي اللّه عنهم ، متخذا علم الإسناد وسيلة إلى ذلك . وألّف البخاري على هذا المنهج تفسيرا مستقلا لم يصل إلينا هو « التفسير الكبير » . . . ولكن الذي وصل إلينا من عمل البخاري القسم المتضمن للتفسيرات النبوية ، وآراء وأقوال الصحابة ، ونقولاتهم عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وهذا القسم أودعه البخاري في كتابه « الجامع الصحيح » . وبهذا الصنع مهّد البخاري لأهل الأثر والنظر الطريق للتقارب . . . إذ حصر الأحاديث المعتد بها في التفسير فحكم على ما وراءها بالطرح وعدم الاعتداد » « 3 » . ثم جاءت على إثر هذه المسيرة حركة اعتزالية فكرية ثقافية جارفة أفرزت علماء ومفسرين أسهموا في دفع التفسير والتأويل قدما « ولكن نزعة من العصبية الغالية قد أوغلت
هامش
( 1 ) محمد الفاضل بن عاشور ، التفسير ورجاله ، ص ( 39 ) . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص ( 40 ) . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص ( 52 ) .