هؤلاء أهم أعلام التابعين من المفسرين العلماء ، وقد استمدوا علومهم من القرآن من الصحابة الكرام رضى اللّه عنهم . وعن التابعين أخذ تابعو التابعين ، وهكذا حتى وصل إلينا وبهذا صنف العلماء التفاسير كما فعل سفيان بن عيينة ، ووكيع بن الجراح ، وشعبة بن الحجاج ، فكان ذلك توطئة أو إرهاصا لظهور عالم مفسر كبير هو محمد بن جرير الطبري ، الذي يوشك المفسرون جميعا من بعده أن يكونوا عالة عليه - وإن كان محمد الفاضل بن عاشور يرى أن الذين يجعلون محمد بن جرير الطبري نتاج حركة التطور التفسيري فإنهم « يقطعون بذلك اتصال سلسلة التطور في الأوضاع التفسيرية بين القرن الأول والقرن الثالث بإضاعة الحلقة من تلك السلسلة التي تمثل منهج التفسير في القرن الثاني ، لأن تفسير ابن جرير الطبري ألف في أواخر القرن الثالث ، وصاحبه توفي في أوائل القرن الرابع ، والحال أن الحلقة التي يتم بها اتصال السلسلة ، وضاعت عن الكاتبين المحدثين في تاريخ التفسير من المستشرقين ، وغير المستشرقين ، هي حلقة إفريقية تونسية ، بالوقوف عليها يتضح كيف تطوّر فهم التفسير عما كان عليه في عهد ابن جريج ، إلى ما أصبح عليه في تفسير الطبري ، ويتضح لمن كان الطبري مدينا له بذلك المنهج الأثري النظري الذي درج عليه في تفسيره العظيم .
وإنما نعني بهذا تفسيرا جليلا من صميم آثار القرن الثاني وهو أقدم التفاسير الموجودة اليوم على الإطلاق ألف بالقيروان وروي فيها وبقيت نسخته الوحيدة بين تونس والقيروان ، وهو الذي يعتبر مؤسس طريقة التفسير النقدي ، أو الأثري النظري ، التي سار عليها بعده ابن جرير الطبري واشتهر بها هو تفسير « يحيى بن سلام التميمي البصري الإفريقي » المتوفى سنة ( 200 ه ) - وهو تفسير يقع في ثلاثين جزءا من التجزئة القديمة أي في ثلاثة مجلدات ضخمة ، مبني على إيراد الأخبار مسندة ثم تعقبها بالنقد والاختيار ، فبعد أن يورد الأخبار المروية مفتتحا بقوله : « قال يحيى » ويجعل مبنى اختياره على المعنى اللغوي ، والتخريج الإعرابي ، ويتدرج من اختيار المعنى إلى اختيار القراءة التي تتحاشى وإياه ، مشيرا إلى اختياراته في القراءة بما يقتضي أن له رواية - أو طريقا - لا يبعد أن تكون راجعة إلى قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري لأن يحيى بن سلام بصري النشأة . . . وقد نص ابن الجزري على أن هذا الكتاب سمع من مؤلفه بإفريقية وشهد بأنه كتاب ليس لأحد من المتقدمين مثله » « 1 » .
وإذا سلّمنا برأي ابن عاشور : أمكن القول إن يحيى بن سلام التميمي البصري
هامش
( 1 ) محمد الفاضل بن عاشور ، التفسير ورجاله ، تونس ، دار سحنون ، ط ( 1998 - 1999 ) ص ( 34 ، 35 ، 36 ) .