بهم في مسالك التعسف كلما كانت المحامل الواضحة التي يستدعيها السياق ويقتضيها التركيب مخالفة لمذاهبهم الكلامية في المعاني الاعتقادية ، ونزعة من الغرور الذميم أركبتهم مركب ادّعاء أن آلة التأويل وقف عليهم ، لا يحسن غيرهم أن يتعاطاها » « 1 » .
وما من حركة ثقافية يطيش بها الغرور ، أو تتقاذفها أهواء الاستبداد بالرأي إلّا وتحوي في داخلها بذور فنائها وضعفها . . . ومصداقا لذلك :
« فإنه لم يكد لواء النبوغ في تقرير نكت البلاغة القرآنية يعقد على مجالس الشريف الرضي المتوفّى في ( 436 ه ) حتى نجم في أفق أهل السنة فتى شافعي أشعري من عباقرة علماء العربية هو عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة ( 471 ه ) تمرّس بكتب أبي علي الفارسي وتخرّج على طريقته في النحو » « 2 » ثم تسلق سلم البيان والبلاغة ليكون مبلور نظرية الإعجاز بجدارة - مستثمرا ما قاله المعتزلة والباقلاني مخرجا لنا كتابه دلائل الإعجاز « فبين فيه جهات الحسن البلاغي وعلله ، وضبطها في قوالب محكمة من التعبير فجاء عمله عملا أساسيا منهجيا » « 3 » .
ثم كان من الوالجين باب التأويل والبلاغة والتفسير : الإمام الزمخشري ، والقاضي أبو محمد بن عبد الحق بن عطية الغرناطي الأندلسي . وقد أنتج كل منهما أعمالا فائقة النفع في البلاغة والتأويل القرآني : تفسير ابن عطية ، وكشاف الزمخشري .
وقد كان تفسير ابن عطية « يمثل صولة الغالب العنيد على المنهزم المتراجع » « 4 » .
والمقصود غلبة السنة على الاعتزال ، . . . ولقد قوي تفسير ابن عطية بما أضيف إليه من عاملي قوة بيانية يرجعان إلى شبابه وعروبته ، فإن الشباب أفاده قريحة متقدة ونظرة حادة ، يتناول بهما موضوعه في قوة وسرعة ومتانة وإلهام » « 5 » . في حين كان تفسير الزمخشري الكشاف اتسم « بالشيخوخة والعجمة ، فإن أسلوبه البياني قد جاء متثاقلا كزا ترهقه كلفة الصناعة مع نبوة الطبع ، ولذلك فلا يدع أن يوصف تفسيره بأنه « محرر » لا سيما وقد دفع الشبه ، وخلّص الحقائق ، وحرّر ما هو محتاج إلى التحرير ، وقد نوّه بذلك في مقدمته » « 6 » .
وهكذا تسير حركة التفسير قدما حتى وصلنا إلى القرن الرابع ، إذ بدأت حدة الاعتزال
هامش
( 1 ) محمد الفاضل بن عاشور ، التفسير ورجاله ، ص ( 53 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص ( 58 ) .
( 3 ) المصدر نفسه ، ص ( 59 ) .
( 4 ) المصدر نفسه ، ص ( 75 ) .
( 5 ) المصدر نفسه ، ص ( 75 ) .
( 6 ) المصدر نفسه ، ص ( 75 ، 76 ) .