معرفة كلام العرب لأن القرآن نزل بلغتهم ، ولم يفسر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذي لا يعذر أحد بجهله ، . . . ولم يفسر لهم ما استأثر اللّه بعلمه كقيام الساعة ، وحقيقة الروح وغير ذلك من كل ما يجري مجرى الغيوب التي لم يطلع اللّه عليها نبيه » « 1 » .
التفسير في عهد الصحابة :
الصحابة عرب فصحاء خلّص ، وكانوا يجتهدون الرأي في فهم القرآن ما لم يتيسر لهم نقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أو لم يجدوا آية قرآنية تفسر أخرى .
أما ما ورد من النصوص القرآنية التي تحتاج إلى لغة عربية لفهمها فكان ذلك ميسرا للصحابة دونما جهد لأنهم « عرب خلّص يعرفون كلام العرب ومناحيهم في القول ، ويعرفون الألفاظ العربية في الشعر الجاهلي الذي هو ديوان العرب ، كما يقول عمر رضى اللّه عنه « 2 » .
وسائل الاجتهاد في التفسير عند الصحابة :
الاجتهاد هو بذل واسع في فهم النصوص ، والاجتهاد له وسائله التي يستعان بها لولوج بابه ومن أهم وسائل الصحابة :
1 - معرفة اللغة العربية وأسرارها - ومعرفة عادات العرب - ومعرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن - قوة الفهم ، وسعة الإدراك .
فمعرفة العربية تساعد على فهم الآيات لأنها نزلت عربية البيان ، ومعرفة العادات تعين على فهم الآيات ذات الصلة بالعادات ، وذلك مثل :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
« 3 » وقوله تعالى :
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها
« 4 » . لا يمكن فهمه إلّا لمن عرف عادات العرب .
ومعرفة أحوال اليهود والنصارى تساعد على فهم الآيات النازلة بصددهم ، وتعين على الرد عليهم . وأما قوة الفهم وسعة الإدراك فهذه نعمة ينعم اللّه على من يشاء من عباده ، وهنا تفاوت الصحابة بمعرفتهم بالقرآن لتفاوتهم في امتلاك الأدوات المساعدة على الاجتهاد .
وقد اشتهر بعض المفسرين من الصحابة : الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهم .
هامش
( 1 ) محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ( 1 / 54 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 58 ) .
( 3 ) سورة التوبة ، الآية : ( 37 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : ( 189 ) .