وذهب فريق آخر إلى القول إن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يبين لأصحابه إلا القليل من معاني القرآن ، واستدلوا بما أخرجه البزار عن عائشة قالت : ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يفسر شيئا من القرآن إلّا آيا بعدد ، علّمه إياهن جبريل » .
واستدلوا بقولهم : « لو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بيّن لأصحابه كل معاني القرآن لما كان لتخصيصه ابن عباس بالدعاء له بقوله : « اللهم فقهه في الدين ، وعلّمه التأويل » فائدة لأنه يلزم من بيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لأصحابه كل معاني القرآن استواؤهم في معرفة تأويله فكيف يخص ابن عباس بهذا الدعاء » « 1 » .
مناقشة آراء الفريقين :
واضح أن كلا من الفريقين غالى فيما ذهب إليه ، فقول الفريق الأول مستدلا بآية سورة النحل :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . .
تشير إلى أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بيّن ما أشكل عليهم فهمه من القرآن ، لا كل معانيه ما أشكل منها ، وما لم يشكل » « 2 » .
وأما استدلالهم بأن الرسول قبض ولم يفسّر آية الربا لا يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلّم كان يبيّن لهم كل معاني القرآن ، فلعل هذه الآية مما أشكل على الصحابة ، فكان لا بد من الرجوع فيها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم شأن غيرها من مشكلات القرآن » « 3 » .
أما أدلة الفريق الثاني الذي نفى تفسير الرسول لكل معاني القرآن » وأثبت أن الرسول لم يفسر إلا آيات قليلة معدودة ، فباطل أيضا لأن الحديث الذي أخرجه البزار عن عائشة منكر غريب ، لأن راوي الحديث محمد بن جعفر الزبيري مطعون فيه ، قال البخاري عنه :
« لا يتابع في حديثه » « 4 » .
وأما استدلالهم بدعاء الرسول لابن عباس بأن « يعلمه اللّه التأويل » فلا يصح لأن دعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لابن عباس لا يفيد أن الرسول لم يبين إلا القليل ، وإن كان يوحي أن الرسول لم يبيّن كل معاني القرآن » « 5 » .
والحق أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بيّن الكثير من معاني القرآن لأصحابه كما تشهد بذلك كتب الصحاح ، ولم يبيّن كل معاني القرآن ، وأن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لم يفسّر للصحابة ما يرجع فهمه إلى
هامش
( 1 ) محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ( 1 / 51 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 52 ) .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 53 ) .