تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
من هذا يظهر أن الصحابة رضوان اللّه عليهم لم يكونوا على سويّة واحدة في فهم القرآن وبيان معانيه ، « فقد كانوا يتفاوتون في العلم بلغتهم فمنهم من كان واسع الاطلاع فيها ملما بغريبها ، ومنهم دون ذلك ، ومنهم من كان يلازم النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيعرف من أسباب النزول ما لا يعرفه غيره . أضف إلى هذا وذاك أن الصحابة لم يكونوا في درجتهم العلمية ومواهبهم العقلية سواء ، بل كانوا مختلفين في ذلك اختلافا عظيما » « 1 » . هذا إذا تذكرنا أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كان يعلّم الصحابة التلاوة والفهم ويوجّه فهمهم ويصحح إدراكهم لدلالات القرآن ومقاصده « وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يبيّن المجمل ، ويميّز الناسخ من المنسوخ ، ويعرّفه أصحابه فعرفوه ، وعرفوا سبب نزول الآيات ، ومقتضى الحال منها منقولا عنه » . وفي هذا بيان أن معرفة اللغة العربية ليست كافية لمعرفة معاني القرآن الكريم ، بل كانوا محتاجين إلى توجيه الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لفهومهم . ويمكننا أن نوجز القول : إن تفسير القرآن في عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم والصحابة كان يستمد مصادره من : 1 - القرآن الكريم : أي ما ورد من آيات القرآن المفسّرة لآيات أخرى ، لأن القرآن الكريم قد يجمل في مكان ويبيّن في مكان آخر ، وما جاء مطلقا قد يقيد في مكان ثان ، وما كان عاما قد يخصص في آية أخرى وهكذا . ولنتمعّن بعض الأمثلة . قال تعالى في سورة العنكبوت :
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 )
« 2 » . . . والمعنى أن الناس لا يتركون دون فتنة : أي ابتلاء واختبار لأجل قولهم آمنّا بل إذا قالوا : آمنّا فتنوا : أي امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء ، حتى يتبين بذلك الابتلاء الصادق في قوله آمنا من غير الصادق . يقول الشنقيطي : « وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينا في آيات أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 )
« 3 » وقوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 )
« 4 » . وهناك آيات أخر استشهد بها الشنقيطي على أنها آيات
هامش
( 1 ) محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ( 1 / 36 ) . ( 2 ) سورة العنكبوت ، الآيتان : ( 1 ، 2 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : ( 214 ) . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية : ( 142 ) .