القرآن وفهمه ، لذا كان كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في تفسيره القرآن ، أو تخصيصه لعامه ، أو تقييده لمطلقه من الدين وحجة على العباد ، إن لم يعملوا فيه كانوا مخالفين لهدي اللّه ورسوله .
تفاوت الصحابة في فهمهم القرآن :
صحيح أن جيل الصحابة الكرام مشهود له على العموم بالخيرية المطلقة ، خيرية الاستقامة على الدين ، والخيرية في فهم الدين ، بيد أن الباحث في تاريخ الصحابة رضى اللّه عنهم يجد تفاوتا بين هذا الصحابي وذاك في فهم معاني القرآن . بل قد يكون هذا النص غامضا أو تلك الكلمة من النص غامضة يغيب عنه معناها وفهمها ، ويبين أحدهم له . والسبب أن الصحابي الواحد قد تغيب عنه مفردة من مفردات العربية الكثيرة العدد ، غير أن العربية بمفرداتها جميعا لا تغيب عن مجموع العرب من الصحابة الفطناء ، أما مجموع العربية فقد تغيب عن الصحابي الواحد .
أخرج أبو عبيدة في الفضائل عن أنس ، أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قرأ على المنبر
وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 )
« 1 » فقال : « هذه الفاكهة قد عرفناها ، فما الأبّ ؟ » ثم رجع إلى نفسه ، فقال : « إن هذا لهو التكلف يا عمر » « 2 » . وما روي من أن عمر كان على المنبر فقرأ
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 47 )
« 3 » ثم سأل عن معنى التخوّف ، فقال له رجل من هذيل : التخوّف عندنا التنقص ، ثم أنشده :
تخوّف الرحل منها تامكا قردا * كما تخوّف عود النبعة السّفن « 4 »
عندئذ قال عمر مقولته المشهورة المذكّرة المنبّهة لأهمية حفظ أشعار العرب لفهم الكتاب الكريم : « أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم ، فإن فيه تفسير كتابكم » « 5 » .
وما أخرجه أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السماوات حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، والآخر يقول : أنا ابتدأتها » « 6 » .
هامش
( 1 ) سورة عبس ، الآية : ( 31 ) .
( 2 ) الشاطبي ، الموافقات ، ( 2 / 87 ) .
( 3 ) سورة النحل ، الآية : ( 47 ) .
( 4 ) الشاطبي ، الموافقات ، ( 2 / 87 ، 88 ) . والتامك : السنام . القرد : الذي تجعّد شعره ، فكان كأنّه وقاية للسنام . النبع : شجر للقسي والسهام . والسفن : كل ما ينحت به غيره .
( 5 ) الشاطبي ، الموافقات ، ( 2 / 88 ) .
( 6 ) السيوطي ، الإتقان ، ( 2 / 113 ) .