تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وكلامهم في أصله يشتمل على الحقيقة والمجاز ، والتشبيه والاستعارة ، والكناية ، والتصريح والإطناب والإيجاز . . . ومعجزة سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم مثل باقي المعجزات جاءت مناسبة لحال العرب ( القوم الذين خاطبهم القرآن ، بلغتهم :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 )
« 1 » . وما قيل من أن القرآن حوى ألفاظا أو كلمات ليست عربية فهذا إن وجد فهو قليل من جهة ومن جهة أخرى فإن هذا الكلام القليل أصبح عربيا بحكم الاستعمال ، ولأنه جرى على سنن لغة العرب . على ما قاله ابن فارس ما كان من الكلام على سنن العرب فهو من كلام العرب وإن لم تقله العرب .

النبي صلى اللّه عليه وسلّم وفهمه للقرآن الكريم :

النبي واحد من العرب ، تنزّل عليه القرآن بلغته ( التي هي لغة قومه العرب ) : ولما كان هذا الكتاب معجزة للنبي صلى اللّه عليه وسلّم وحجة له على غيره يصدق ادعائه الرسالة والنبوة فكان « طبيعيا أن يفهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم القرآن جملة وتفصيلا ، بعد أن تكفّل اللّه تعالى له بالحفظ والبيان
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
« 2 » . . . كما كان طبيعيا أن يفهم أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم القرآن في جملته ، أي بالنسبة لظاهره وأحكامه ، أما فهمه تفصيلا ومعرفة دقائق باطنه ، بحيث لا يغيب عنهم شاردة ، ولا واردة ، فهذا غير ميسور بمجرد معرفتهم للغة القرآن ، بل لا بد لهم من البحث والنظر ، والرجوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيما يشكل عليهم فهمه ! وذلك لأن القرآن فيه المجمل والمشكل والمتشابه ، وغير ذلك مما لا بد من معرفته من أمور أخرى يرجع إليها » « 3 » . صحيح إن الصحابة كانوا يفهمون الكثير من القرآن ، ولكنه كان يشكل عند بعضهم فحادثة
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
« 4 » أحد الشواهد على ذلك ، ثم إن بعض آيات القرآن عامة بحاجة إلى تخصيص ، لذا فإن سؤال الصحابة النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم كان يكشف لهم عن التخصيص ، وعن بيان المجمل ، وتوضيح المشكل ، والمتشابه وغير ذلك . . . في حين كان النبي مسددا بالوحي بتبليغ نصّ القرآن ، وفهمه القرآن ، لذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم محيطا بكل تفسير وفهم للقرآن في محكمه ومتشابهه ، وعامه وخاصه ، ومحكمه ومتشابهه . . . الخ ، لأن اللّه تعالى اختصه بالرسالة وعليه أن يبلغها الناس فآتاه اللّه
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : ( 4 ) . ( 2 ) سورة القيامة ، الآيات : ( 17 - 19 ) . ( 3 ) محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ( 1 / 33 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : ( 187 ) .
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 83 | عبد القادر محمد صالح