الصالح منها للنسخ لا يزيد على عشر فقط بيد أننا نفضّل أن نحيل القارئ على ما ذكره السيوطي لعله يكتشف من تلقاء نفسه » « 1 » . ويقيني أن ما يقوله د . صبحي الصالح قريب جدا من الصواب أو هو الصواب . لأنه « لا يمكن تصور النسخ إلا في حالات محدودة حيث يبرز النسخ حقيقة لا يمكن إنكارها كما في حالات نسخ التلاوة ، وهذا نسخ حقيقي لا مجال لإنكاره » « 2 » نعم هذا ما قاله محمد فاروق النبهان صحيح - لكن قوله بنسخ التلاوة حالة لا يمكن إنكارها : نكرها البعض وله فيها توجيه غير هين ولا سهل ، إذ الأخبار الواردة بنسخ التلاوة أخبار آحاد ، وأخبار الآحاد لا تثبت قرآنا أصلا . أما قول محمد فاروق النبهان « وهناك نسخ حكم سابق بحكم لاحق إذا تعذّر الجمع بين الحكمين » « 3 » فهو صحيح . وصحيح قوله أيضا : « ولا أظنّ أن توسيع دائرة النسخ في القرآن من الأمور المطلوبة ، فالأصل أن يكون كل ما في القرآن خطابا للمكلفين إلا ما ثبت نسخ حكمه » « 4 » .
ومن الأهمية القول إن كثيرا من السجالات الحادة حول الناسخ والمنسوخ مردّها إلى علم الكلام الذي ولّد نقاشا في هذا الموضوع وفي غيره ، دون أن يقدم لنا فائدة تذكر على الأقل في موضوع النسخ .
وإن كان من كلمة خاتمة في هذا الموضوع : « فإن النسخ موجود لكنه قليل ، . . . وإن النسخ لا يقع إلا في الأوامر والنواهي ، لأنه رفع لحكم شرعي بدليل شرعي . . . وأما الأخبار والغيبيات فلا يتصور وقوع النسخ فيها ، لانعدام الفائدة ، وعليه لا نسخ في قضايا الإيمان والعقيدة ، وحوارات القرآن للمشركين والمخالفين ، ومن أدخلها في النسخ فقرأ وأدخل فيه ما ليس منه .
علم المحكم والمتشابه :
القرآن الكريم كتاب محكم كلّه ، ومتشابه كلّه ، إذا أردنا بالإحكام إتقانه وصفته اللفظية والمعنوية ، وأردنا بالتشابه تشابهه بإحكامه المتقن ، وصفته البديعة ، وبلاغته الفريدة .
وجاءت كرائم الآيات مؤكدة لهذه المعاني ، قال تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 5 » ، وقال تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
« 6 » لذا يمكن
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، ص ( 274 ) .
( 2 ) محمد فاروق النبهان ، مقدمة في الدراسات القرآنية ، ص ( 209 ) .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) سورة هود ، الآية : ( 1 ) .
( 6 ) سورة الزمر ، الآية : ( 23 ) .