علينا تعيين السابق والمسبوق من النوازل القرآنية ، وتظهرنا على جانب من حكمة اللّه في تربية الخلق ، وتقفنا على مصدر القرآن الحقيقي : وهو اللّه رب العالمين ، لأنه يمحو ما يشاء ويثبت ويرفع حكما ، ويبدل آخر من غير أن يكون لأحد من خلقه عمل في ذلك ولا شأن ، حتى ولا خاتم النبيين نفسه » « 1 » .
الناسخ والمنسوخ وكلام أهل العلم فيه :
لمّا كانت كلمة النسخ من المشترك اللفظي ، فإنها أوجدت أرضا للاختلاف والسجال الواسع ، إذ النسخ يأتي بمعنى الإزالة ، ومنه قوله تعالى :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
« 2 » . ومنه : نسخت الشمس الظل ، ونسخ الشيب الشباب « 3 » . . .
وجاءت نسخ بمعنى التّحويل « كتناسخ المواريث » لأن تناسخ المواريث هو تحويل الميراث من واحد إلى واحد « 4 » . وأتى النسخ بمعنى النقل من موضع إلى موضع ومنه « نسخت الكتاب » إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه . وقد أنكر بعض العلماء هذا الوجه الأخير محتجا « بأن الناسخ لا يأتي بلفظ المنسوخ إنما يأتي بلفظ آخر » « 5 » واحتج السعدي لمن احتج بهذا الفهم بقوله تعالى :
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
مع قوله :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 )
« 6 » وما أم الكتاب في نظر السعدي - إلا اللوح المحفوظ أو الكتاب المكنون الذي لا يمسّه إلا المطهرون » فقد أتى ناسخ القرآن فيه بلفظ المنسوخ فيما نزل من الوحي نجوما من أم الكتاب » « 7 » .
ووفقا لما أوردنا من المعاني اللغوية المتعددة لكلمة النسخ ، مع تشابكها مع المعنى الاصطلاحي دار الجدل بين العلماء غير أن الراجح أن الاستخدام القرآني لكلمة النسخ استعمل بمعنى الإزالة ، لذا كان تعريف العلماء للنسخ هو « رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي » - هذا التعريف أدق تحديد اصطلاحي لهذه اللفظة ، يتناسق في آن واحد مع لسان العرب الذي يرى النسخ إزالة ورفعا » « 8 » .
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، ص ( 259 ) .
( 2 ) سورة الحج ، الآية : ( 52 ) .
( 3 ) الزمخشري ، أساس البلاغة ، مادة : نسخ .
( 4 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، ص ( 260 ) ، وانظر الزركشي في البرهان ، ( 2 / 29 ) .
( 5 ) المصدر نفسه .
( 6 ) الزخرف ، الآية : ( 4 ) .
( 7 ) انظر ، الزركشي في البرهان ( 2 ) ، وانظر الزمخشري في أساس البلاغة .
( 8 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، ص ( 261 ) .