بعلمه ، بل وقف العلماء عليه ، لأن اللّه تعالى أورد هذا مدحا للعلماء ، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامة » « 1 » .
رأي أبي الراغب الأصفهاني :
كان أبو الراغب الأصفهاني القارئ الدارس المدقق في الكتاب الكريم يقف موقفا وسطا ، فقسم المتشابه إلى ثلاثة أضرب : « ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه ، كوقت الساعة ، وخروج الدابة ، ونحو ذلك ، وضرب للإنسان أسباب إلى معرفته كالألفاظ الغريبة ، والأحكام المغلقة . وضرب متردّد بين الأمرين يختص به بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم . وهو المشار إليه بقوله صلى اللّه عليه وسلّم لابن عباس : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » « 2 » .
ويظهر أن اعتدالا واضحا في موقف الراغب من المحكم والمتشابه : « فذات اللّه وحقائق صفاته من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 )
« 3 »
.
وأما فواتح السور فقد بقيت من المتشابه المستغلق المعنى ، وكانت آراء العلماء تتناول « حكمة وجودها لا جوهر معناها . . . والآيات المشكلة الواردة في صفات اللّه تعالى كقوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 )
« 4 » هي أهم ما يتعلق بهذا الضرب من المتشابه الذي لا سبيل لأحد من البشر إلى الوقوف عليه ، وقد أفردها ابن اللبان بكتاب سمّاه « رد المتشابهات إلى الآيات المحكمات » « 5 » .
وقد ذكر الرازي الحكمة من متشابه الصفات ، فقال : « إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ، ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفي محض ، فيقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه ، وما توهموه ، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم الأول : وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر - من باب المتشابه - والقسم الثاني : وهو
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، ص ( 282 ) .
( 2 ) السيوطي ، الإتقان ، ( 2 / 7 ، 8 ) .
( 3 ) سورة لقمان ، الآية : ( 34 ) .
( 4 ) سورة طه ، الآية : ( 5 ) .
( 5 ) د . صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن ، ص ( 283 ) .