التشريع الإسلامي لم يطبخ في ذهن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم مسبقا ، ولم يتصور الدعوة إلى شيء منه مطلقا » « 1 » .
وكذلك فإن جواب ورقة بن نوفل لخديجة التي سألته عما فوجئ به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم الذي أكد إنما هو الوحي الإلهي الذي قد نزل على رسل اللّه السابقين . . .
وأما في انقطاع الوحي لفترة طويلة بلغت الأشهر فإن فيه ردا بليغا على ما قاله « محترفو الغزو الفكري مفسرين به ظاهرة الوحي النبوي من أنه الإشراق النفسي المنبعث لديه من طول التأمل والتفكير وأنه أمر داخلي منبعث من أعماقه « 2 » . . .
هذا فضلا عن أن الرسول كان لا يجيب على كثير من الأسئلة التي تواجهه منتظرا وحي ربه ، فلو كان الأمر إشراقات فليس بإمكانه أن يستدعي هذه الإشراقات النفسية في كل وقت يحتاجه ، كأن يستحضر الإشراقات وقت توجه الأسئلة إليه أو في أوقات المحاججة مع خصومه في الدعوة - ثم إن كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الحديث مختلف كل الاختلاف عن الذي بلغه للناس على أنه قرآن . فهل الإشراق النفسي يتباين بين اللحظة والأخرى ! !
من الشبه المطروحة حول مسألة الوحي :
1 - لما ذا يتنزل الوحي على محمد رسول اللّه دون أن تبصره عيون الصحابة وهم معه في المجلس نفسه الذي تنزل الوحي فيه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ؟
يجيب محمد سعيد رمضان البوطي : « أنه ليس من شرط وجود الموجودات أن ترى بالأبصار ، إذ إن وسيلة الإبصار فينا محددة بحد معين ، وإلا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدوما إذا ابتعد عن البصر بعدا يمنع من رؤيته . على أن من اليسير على اللّه جلّ جلاله وهو الخالق لهذه العيون المبصرة أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى » « 3 » .
يقول مالك بن نبي : « إن عمى الألوان مثلا يقدم لنا حالة نموذجية لا يمكن أن ترى فيها بعض الألوان بالنسبة لكل العيون ، وهناك أيضا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا ، ولا شيء يثبت عمليا أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون ، فقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية أمام تلك الأشعة كما يحدث في حالة الخلية الضوئية الكهربائية » « 4 » . هذا - ناهيك « أن ظاهرة الوحي
هامش
( 1 ) لمزيد من الاطلاع انظر : محمد سعيد رمضان البوطي ، كبرى اليقينيات ، ص ( 204 ، 205 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) محمد سعيد رمضان البوطي ، كبرى اليقينيات ، ص ( 206 ، 207 ) .
( 4 ) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية ، ص ( 151 ) ، دار الفكر ، دمشق ، ط 2 ( 1987 ) .