تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
وإنما هو استقبال وتلق لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات . وضمّ الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلا في كل مرة : اقرأ - يعتبر تأكيدا لهذا التلقي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصور من أن الأمر لا يعدو كونه خيالا داخليا فقط » « 1 » . « ولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى حتى أنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائدا إلى البيت يرجف فؤاده » « 2 » . من هنا يظهر لكل باحث منصف أو مفكر حر همه الوصول إلى الحقيقة أن الرسول لم يكن تواقا أو مشتاقا هذا الشوق الشديد للرسالة ، « وأن ظاهرة الوحي هذه لم تأت منسجمة أو متممة لشيء مما كان قد يتصوره أو يخطر في باله وإنما طرأت طروءا مثيرا على حياته ، وفوجئ بها ( بالرسالة ) دون أي توقع سابق » « 3 » . « ولا شك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكون في نفسه - بطريقة الكشف التدريجي المستمر - عقيدة يؤمن بالدعوة إليها . . . ثم إن شيئا من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية لا تستدعي الخوف والرعب واصفرار اللون . يدل على ذلك القياس اليقيني القائم على استقراء الحالات وجميع الظروف المشابهة ، وليس ثمة أي انسجام بين التدرج في التفكير والتأمل من ناحية ، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى ، وإلا للزم من ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين نهبا لدفعات من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة . وأنت خبير أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغير اللون - كل ذلك من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها ، حتى لو فرضنا ! إمكان صدور المخادعة والتمثيل منه عليه السّلام وفرضنا المستحيل من انقلاب طباعه المعروفة قبل البعثة من الصدق والأمانة إلى عكس ذلك تماما » « 4 » . لقد خشي الرسول على نفسه عندما قال لخديجة : « لقد خشيت على نفسي » أي من الجان ، ولكنها طمأنته بأنه ليس ممن يطولهم أذى الشياطين والجان لما فيه من الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة . « وقد كان اللّه عزّ وجل قادرا أن يربط على قلب رسوله ويطمئن نفسه بأن هذا الذي كلّمه ليس إلا جبريل : ملك من ملائكة اللّه جاء ليخبره أنه رسول اللّه إلى الناس - ولكن الحكمة الإلهية الباهرة تريد إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد قبل البعثة ، وشخصيته بعدها ، وبيان أن شيئا من أركان العقيدة الإسلامية أو
هامش
( 1 ) محمد سعيد رمضان البوطي ، كبرى اليقينيات ، ص ( 203 ) . ( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) المصدر نفسه . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص ( 204 ) .