بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ ( 49 )
« 1 » .
4 - ولعل ادعاء أي شخص في قضية من القضايا يخضع - عند الناس الذين عايشوه لفترة ليست قصيرة من الزمن - للاختبار والمقارنة بين ادعائه وماضي حياته ، أي أن الناس سيدرسون تاريخه الشخصي هل كان كاذبا أو صادقا في سيرته الذاتية الحياتية ؟
فالتاريخ حدثنا حديثا لا مراء فيه جازما بصدق محمد « وهو قبل ذلك صادق مع نفسه ، فدراسته الواعية لحالته الغريبة يجب أن يكون نوعا من الدرس الباطني القرآني ، لتقضي هذه الدراسة على أي شك يخايل عينيه » « 2 » . . . إذا صدق الرسول سيدفعه لدفع كل الشكوك التي يمكن أن تبعد عنه حقيقة ما هو فيه . وعلى ذلك فإن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم سيقوم بالدراسة التي ستجزم بحقيقة ما هو فيه وفق منهجين مختلفين :
الأول : ذاتي محض يقتصر على ملاحظته وجود الوحي خارج الإطار الشخصي .
والثاني : موضوعي يقوم على الموازنة الواقعية بين الوحي المنزل ، وما ورد من التفاصيل المحددة في كتب اليهود والنصارى مثلا ، وكأنما كان الوحي - أحيانا - يعلمه هذا المنهج الأخير الموضوعي عندما لا يكون الأمر أمر اقتناعه هو - لأنه اقتنع منذ زمن طويل - بل أمر تأسيس وتربية للذات المحمدية ، ولا سيما عندما يجادل المشركين عن عقيدته ، أو وفود النصارى الآتية من أطراف الجزيرة ، كوفد نجران الذي أتاه ليناقش معه عقيدة التثليث وفي هذا يحدثه الوحي صراحة » « 3 » :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 )
« 4 » .
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم عندئذ : « لا أشكّ ولا أسأل » « 5 » .
من ذلك ظهر لنا النهج الذي سلكناه في تحديد فهمنا لمسألة الوحي في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، الذي يمكن أن نلخصه « بأننا نجد أنفسنا أولا أمام خبر يقيني وصل إلينا بالتواتر ، طبق شروطه المعروفة ، ألا وهو خبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قد أوحي إليه » « 6 » .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية : ( 49 ) ، وانظر كبرى اليقينيات ، ص ( 208 ) .
( 2 ) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية ، ص ( 158 ) .
( 3 ) المصدر نفسه ، ص ( 157 ، 158 ) .
( 4 ) سورة يونس ، الآية : ( 94 ) .
( 5 ) أخرجه عبد الرزاق وابن جبير عن قتادة .
( 6 ) محمد سعيد رمضان البوطي ، كبرى اليقينيات ، ص ( 208 ) .