سيصحبها فيما بعد دلائل حسية يشعر بها بعض من شاهدوها خلال حدوثها » « 1 » .
وقد أشرنا فيما سبق إلى حالات نزول الوحي : مثل صلصلة الجرس وما رافقها من تفصّد جبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عرقا .
ثم إن استمرار الوحي حقيقة قاطعة أنه ليس ظاهرة نفسية محضة وفق ما أراد المضللون أو المشككون ، وهذا يمكن إجماله على النحو التالي :
1 - التمييز الواضح بين القرآن والحديث ، إذ كان يأمر بتسجيل الأول فورا ، على حين يكتفي بأن يستودع الثاني ذاكرة أصحابه ؛ لا لأن الحديث كلام من عنده لا علاقة للنبوة به ، بل لأن القرآن موحى به إليه بنفس اللفظ والحروف بواسطة جبريل عليه السّلام ، أما الحديث فمعناه وحي من اللّه عزّ وجل ، ولكن لفظه وتركيبه من عنده صلى اللّه عليه وسلّم .
2 - كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يسأل عن بعض الأمور فلا يجيب عليها وربما مرّ على سكوته زمن طويل حتى إذا نزلت آية من القرآن في شأن ذلك السؤال ، طلب السائل وتلا عليه ما نزل من القرآن في شأن سؤاله ، وربما تصرف الرسول على وجه معين فتنزل آيات من القرآن تصرفه عن ذلك الوجه وربما انطوت على عتب أو ملامة له .
3 - كان الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أميا . . . وليس من الممكن أن يعلم إنسان بواسطة المكاشفة النفسية حقائق تاريخية » « 2 » . . . إذ أن تتابع نزول الوحي جعل الحقائق التاريخية والاجتماعية تتزاحم في وعيه علما أن هذه المعارف التاريخية والاجتماعية لم يسبق أن سجلت في صفحة معارفه ، بل حتى في معارف عصره ، ومناحي اهتمامه . . . هذه الحقائق ليست مجرد تعميمات غامضة ، ولكنها معلومات محددة تضم تفاصيل هامة عن تاريخ الوحدانية . فقصة يوسف عليه السّلام المفصلة ، مثلا ، أو التاريخ المفصل لهجرة بني إسرائيل لا يمكن اعتبارهما مجرد اتفاق عارض ، بل يجب حتما أن يأخذ لدى محمد صلى اللّه عليه وسلّم صفة الوحي العلوية » « 3 » .
وما قلناه حول معرفته بقصة يوسف ينسحب على كل القصص مثل قصة أم موسى وإلقائها وليدها في اليم ، وقصة فرعون . . . « ولقد كان هذا من جملة الحكم في كونه أميا
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 )
« 4 » .
لذا كان حقا قول القرآن
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ
هامش
( 1 ) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية ، ص ( 151 ) .
( 2 ) محمد سعيد رمضان البوطي ، كبرى اليقينيات ، ص ( 208 ) .
( 3 ) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية ، ص ( 157 ) .
( 4 ) سورة العنكبوت ، الآية : ( 48 ) .