الأدلة العقلية على ثبوت ظاهرة الوحي :
إن الدليل العقلي على وقوع الوحي هو ما أخبر عنه الصادق المعصوم في الأحاديث السابقة التي قد سقناها من القرآن أو من السنة الثابتة في الصحاح . . . « فلو لا أن الكلمة وردت إلينا من هذه المصادر ، لما كان لها وجود في أفكارنا ولا في أفكار أعداء الإسلام ، ومن ثم لم يكن ليقوم حولها أيّ بحث ، ولم تكن لتفسر بأي نظرية من النظريات أو معنى من المعاني لا عندنا نحن المسلمين ، ولا عند أولئك الآخرين » « 1 » .
وما دام المصدر الوحيد لوجود ظاهرة الوحي القرآن والسنة الصحيحة وهما الوثيقتان التاريخيتان الوحيدتان اللتان أكدتا ظاهرة الوحي ، فمن غير الصحيح البتة أن « نضرب صفحا عن هذه النصوص عندما تتولى لنا تفسير هذه الظاهرة وكشف اللثام عنها » « 2 » .
ويعلل البوطي ذلك « لأن كل مفكر يعلم أن الباحث عليه أن يسلك أحد السبيلين : إما أن يضرب صفحا عن حديث التاريخ كله وعن هذه النصوص الواردة جميعها ، وعندئذ فليس له أن يتحدث عن شيء اسمه الوحي في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أصلا ، لأن المفروض أنها كلمة غير موجودة في حياته ، وإمّا أن يعتمدها ولا يسعه إنكارها ، وعندئذ فإن عليه أن يلقي السمع إلى كل ما تثبته وتنطق به هذه النصوص من الحقائق والوقائع . ولذلك : صح لنا أن نقول في غير مبالغة ولا تجن على الحقيقة : إن أولئك الذين يعمدون إلى نصوص القرآن والسنة ونصوص السيرة فيستلون منها كلمة « الوحي » مجردة ومشذّبة عن كل ما يتولى تفسيرها وبيانها من تلك النصوص نفسها ، ليرغموا الكلمة على أن تحمل معاني وتأويلات أخرى غير تلك المعاني التي تولّى التاريخ وتولّت النصوص إعطاءها إياها - نقول : إنّ أولئك العابثين لا يعاندون العلم فقط ، بل إنهم ليعاندون العقل في أوضح مقتضياته البديهية المسلمة » « 3 » .
فالأحداث والوقائع المجتمعة بنزول الوحي كما وصلت إلينا بالأسانيد الموثقة كلها تشير إلى عظيم الحكمة ، وكبير العناية الإلهية برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم :
« لقد فوجئ محمد عليه السّلام وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه ، وهو يقول له :
اقرأ « حتى يتبين له أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا مرده إلى حديث النفس المجرد
هامش
( 1 ) محمد سعيد رمضان البوطي ، كبرى اليقينيات الكونية ، ط ( 5 ) ، دار الفكر / دمشق ، ( 1397 ه ) ص ( 201 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه ، ص ( 202 ) .