سواه ، فهم يقدمون الشك ويمعنون فيه ثمّ لا يعترفون إلا بالحسيّات ، ولا يحفلون بمجرد العقليات » « 1 » . لذا فإن منهجهم قادهم إلى الحال التي أصبحوا فيها « ينكرون ما وراء المادة ، ويسرفون في الشكوك إلى أبعد الحدود ويستخفّون بأمر الإلهيات والنبوات والوحي إلى مدى بعيد » « 2 » .
وسوف نتدرج بمناقشة أدلة الوحي العلمية كي تساق على نحو عقلي منطقي وكي لا يضيع القارئ في أجزاء البحث .
موقف العلم من مسألة الوحي :
وهي أدلة مهمتها إثبات إمكانية الوحي وتقريبه إلى العقول « 3 » .
وعندما نقول بالإمكانية يعني هذا أن وجود الوحي لا يناقض أحكام العقل ، أي أن وجود ظاهرة الوحي ليس مستحيلا عقليا إنما هو من الممكنات العقلية . « وإمكان الوحي هو الخطوة الأولى في الموضوع ، وهو ملحوظ في المقدمة الأساسية من مقدمات الدليل العقلي الآتي » « 4 » لذا فإن الزرقاني رأى من الصواب والحق أن تتقدم الأدلة العلمية على وجود الوحي أو وجوب الإيمان به وتتبوأ مكان الصدارة على ما سواها من الأدلة « 5 » .
الدليل الأول : التنويم الصناعي ، أو التنويم المغناطيسي : وهو من المقررات العلمية الثابتة ، كشفه الدكتور « مسمر » الألماني في القرن الثامن عشر ، وجاهد هو وأتباعه على مدى قرن كامل في سبيل إثباته . . . فاعترف العلماء به علميا ، بعد أن اختبروا به الآلاف المؤلّفة من الخلق واطمأنوا إلى تجاربه ، وأخيرا أثبتوا بوساطته ما يأتي :
1 - أنّ للإنسان عقلا باطنا أرقى من عقله المعتاد كثيرا .
2 - أنه وهو في حالة التنويم يرى ويسمع من بعد شاسع ويقرأ من وراء حجب ويخبر عما سيحدث مما لا يوجد في عالم الحس أقل علامة لحدوثه .
3 - أن للتنويم درجات بعضها فوق بعض يزداد العقل الباطن سموا بتنقله فيها .
4 - أنه قد يصل إلى درجة تخرج فيها روح الوسيط من جسده وتمثل إلى جانبه غير مرئية ، بينما يكون الجسم في حالة تشبه الموت ، لولا علاقة خفية بين الروح والجسم .
هامش
( 1 ) الزرقاني ، مناهل العرفان ، ( 1 / 93 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 94 ) ، بشيء من التصرف .
( 4 ) انظر في مناهل العرفان ( 1 / 94 ) .
( 5 ) انظر في مناهل العرفان ( 1 / 94 ) .