الثالثة : أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه كما في الصحيح : « وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » « 1 » .
الرابعة : أن يأتيه الملك في النّوم ، وعدّ قوم من هذا « سورة الكوثر » .
الخامسة : أن يكلمه اللّه إما في اليقظة كما في ليلة الإسراء أو في النوم كما في حديث معاذ : « أتاني ربي فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى . . » « 2 » .
مناقشة فكرة الوحي : بديهي أن تخضع ظاهرة الوحي لنقاش معمّق خاصة من قبل أصحاب المنهج المادي الذين يجدون صعوبة في الإيمان بالغيب . . ، في حين نجد المؤمنين حقا هم المؤمنون بفكرة الوحي لإيمانهم بالغيب لأن الإيمان بالغيب « يمنح الحياة المادية التوازن . . . ويفسر بعض مظاهر الحياة ، ويضبط مسارها ، ويملأ ذلك الفراغ الثقيل في حياة البشر » « 3 » .
أما الرافضون لمسألة الوحي فمنطقهم يستند إلى نكران عالم الغيب لأنه غير مشاهد من قبل الحواس ويقولون : إنهم يحتكمون للعقل ، فما أثبته العقل من عالم الحواس أثبتوه ، وما أنكره العقل من عالم الحواس أنكروه . . . ولكن السؤال : هل ينكر العقل المنصف وجود عالم الغيب أو عالم الروح ؟
الجواب : « لم يستطع العقل أن يقيم الدليل على عدم وجود عالم الروح ، بل إن العقل في معظم الأحيان يسلّم بوجود عالم غير محسوس لا تراه الأبصار ، ولا تدركه العقول ، إلا أنه لا يتصور الحياة بدونه ، وتقوم أدلة وقرائن على وجود عالم روحيّ أشمل من عامل المادة ، وهو عالم غير محدود ، يحيط بحياة الإنسان ، ويفسر حركته » « 4 » .
ثم من جهة أخرى فإن منكري الوحي عندما يقولون : إنهم يؤمنون بما يثبته العقل منهم « يؤمنون بالعقل على الطريقة التي يستسيغونها ، وبالعلم الذي تواضعوا عليه في اصطلاحهم الحديث وهو « جملة المعارف اليقينية التي أنتجها دستور البحث الجديد في الوجود وكائناته » « 5 » .
وهؤلاء جعلوا « الشك أساسا للبحث والاستناد إلى القاطع الذي يؤيده الحس دون
هامش
( 1 ) هو جزء من حديث أخرجه البخاري ( الحديث : 2 ) و ( الحديث : 4953 ) .
( 2 ) السيوطي ، الإتقان ( 1 / 128 - 129 ) .
( 3 ) محمد فاروق النبهان ، مقدمة في الدراسات القرآنية ، ص ( 53 ) .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) الزرقاني ، مناهل العرفان ، ( 1 / 93 ) .