مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 )
« 1 » . فكلمة الوحي في هذه الآية تفيد معنى التكوين الغريزي الذاتي وهو في إطار الخلق والتكوين . وهذا معنى يختلف عن معنى « الوحي » الذي نتحدث عنه ، وكلمة الخلق والتكوين والتوجيه أدقّ من كلمة الإلهام في هذه الآية ، لأن اتخاذ الجبال والأشجار بيوتا للنحل صفة ذاتية وتكوين غريزي - والإلهام يغلب عليه تكوين الاستعداد لسلوك غير مألوف . فإذا كان السلوك مألوفا عن طريق التكوين الغريزي لا يسمى « إلهاما » ، فلا يقال في الأمور الغريزية إلهام إلا عن طريق تكوين الاستعداد عند الخلق » « 2 » .
2 - معنى الإلهام الإرادي : وهذا باد في قول اللّه تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 )
« 3 » .
وواضح من الآية أن كلمة « وأوحينا » لا تقتصر معنى الإلهام ؛ فالإلهام توجيه خفيّ لا يدرك مصدره ، وفي هذه الآية توجيه رباني مقترن بأوامر وتعليمات وفيه نهي عن الخوف وتبشير من اللّه بعودته إلى أمه ، وأنه سيكون من المرسلين ، ولا بد أن أمّ موسى أدركت مصدر هذا الإلهام ، وعرفت أنه من اللّه ، ولهذا نفذت ما أمرت به واطمأنّت ، ولولا ذلك لما نفّذت هذا الأمر الذي لا يمكن لأمّ أن تفعله ، وكيف يمكن لأم أن تلقي وليدها في اليم لمجرد خاطر عابر لا تعرف مصدره وهو أمر خارج عن نطاق الفطرة ، فالفطرة تأبى أن تلقي الأمّ وليدها في اليم » « 4 » .
3 - معنى الإشارة الآمرة الظاهرة : وهذا باد في قول اللّه تعالى :
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 )
« 5 » .
ومعنى الوحي هنا : أمر يفيد « التوجيه والتعليم وليس مجرد الإشارة » « 6 » .
4 - معنى الوسوسة : وهذا في قول اللّه تعالى :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ
« 7 » . وهذا المعنى لغوي ، وكلمة الوسوسة ليست دقيقة ، فالشياطين يوسوسون حينا ، ويأمرون أولياءهم حينا آخر ويزينون لهم فعل الشر ، وجاءت في نفس المعنى في
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية ( 68 ) .
( 2 ) محمد فاروق النبهان ، مقدمة في الدراسات القرآنية ، ص ( 45 ، 46 ) .
( 3 ) سورة القصص ، الآية : ( 7 ) .
( 4 ) محمد فاروق النبهان ، مقدمة في الدراسات القرآنية ، ص ( 46 ) . والآية من سورة النحل .
( 5 ) المصدر نفسه . والآية من سورة مريم ، الآية ( 11 ) .
( 6 ) محمد فاروق النبهان ، مقدمة في الدراسات القرآنية ص ( 46 ) .
( 7 ) سورة الأنعام ، الآية : ( 121 ) .