البيان فلم يتعرض لهذه المباحث ولا شمّ منها رائحة ! ولكنه ذكر في صدر « كتاب النهاية » كلاما قليلا في وجه الإعجاز لا ينفع من غلة ولا يشفي من علة » « 1 » .
ولكن ما إن أتى القرن التاسع حتى قلبوا ظهر المجنّ لما أنتجه أبو حمزة ، فرموه بعدم الإتيان بجديد ، إنما أتى بالمكروه .
في هذا القرن أخرج برهان الدين البقاعي بن عمر ( ت 885 ه ) كتابه ( نظم الدرر ) ذلك الكتاب الذي وصفه حاجي خليفة في كشف الظنون :
« إنه كتاب لم يسبق إليه أحد جمع فيه من أسرار القرآن ما تتحير فيه العقول وأتقن فيه المناسبات وأوضح المعاني المشكلات . . . » .
وعندما يبرز الزركشي بكتابه « البرهان » نراه يلخص ما قيل في الإعجاز أقوال السابقين في النوع الثامن والثلاثين . ثم السيوطي الذي كتب في إتقانه « وجوه الإعجاز » .
وقلت في البدء : إن مساحة الإعجاز القرآني ستبقى النبع الذي لا ينضب ويشغلهم في المستقبل . . . وحقا جاء العصر الحديث ووراءه إرث لا يستهان به أبدا من دراسات في الإعجاز عميقة ، غاص في بحاره سبّاحون مهرة ، وإن كان هؤلاء قلّما اعترفوا بفضل أولئك ، وتجسد ذلك في الرافعي مصطفى صادق الذي « نظر في تراث المكتبة القرآنية فلم ير فيه كله شيئا ذا بال بل وجد « أن القوم من علمائنا رحمهم اللّه قد أكثروا من إعجاز القرآن وجاءوا بقبائل من الرأي لونوا فيها مذاهبهم ألوانا مختلفات وغير مختلفات ، بيد أنهم يرون في ذلك عرضا على غير طريق » « 2 » .
ويشدد الرافعي من وطأة هجومه على السابقين ، لكنه لا يلبث أن يكون من الأولين السابقين قياسا للتأليف ، ولكن قدّر لكتاب الباقلاني أن يظهر من جديد بوصفه الكتاب الأول في الإعجاز - ثم ليظهر من الكتاب والدارسين من يقول إنه لا يقبل ما قاله سعد زغلول ويعقوب صروف في كتاب الرافعي . . . عندئذ انقضّ الرافعي على هؤلاء وسامهم القاسي من الكلام ، والعنيف من البيان وهذا شأن الباحثين مع البحوث - فريق مع ، وفريق ضد . .
ما أكثر ما أنكره الآخرون على الأولين السابقين . . . ثم تظهر عائشة عبد الرحمن لتقول كلمة في الإعجاز جديرة بالتأمل لأنها كشّافة لقيمة البحث في هذا الموضوع ، معبّرة
هامش
( 1 ) أبو حمزة العلوي ، الطرازي في أسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ( 3 / 363 ) ، ( ط ) المقتطف لدار الكتب ( 1916 م ) .
( 2 ) مصطفى صادق الرافعي ، إعجاز القرآن ، ط ( 3 ) ، ص ( 23 ) .