ويوضح الجرجاني صفة القادر على صناعة من الصناعات فيقول :
« وجملة الأمر : إنك لن تعلم في شيء من الصناعات علما تمر فيه وتملي حتى تكون ممن يعرف الخطأ فيها من الصواب ويفضل بين الإساءة والإحسان ، بل حتى تفاضل بين الإحسان والإحسان . وتعرف طبقات المحسنين » « 1 » .
فإذا كان هذا في مختلف الصناعات فكيف الحال في صناعة الفصاحة والبلاغة ؟ نرى عبد القاهر يشترط ، ويوضح ويفصل : « وإذا كان هذا هكذا علمت أنه لا يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسا ما ، وأن تصفها وصفا مجملا ، وتقول فيها قولا مرسلا » « 2 » بل يشترط الجرجاني حينئذ التحديد والتفصيل لصالح الفصاحة :
« بل لا تكون في معرفتها في شيء [ الفصاحة ] ، حتى تفصّل القول وتحصل وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم وتعدّها واحدة واحدة ، وتسميها شيئا شيئا .
ومعرفتك معرفة الصّنع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج » « 3 » .
وفي القرن الخامس الهجري شدد ابن حزم النكير على الباقلاني ووصفه بأوصاف ما تمنينا أن يصف بها العالم الكبير عالما كبيرا آخر .
أما مجيء القرن السادس فلم يحسم المسألة ، ولم ير في ما أتى به الجرجاني كافيا ، ولا فيما دوّنه ابن حزم في فصله ما يضع حدا للصراعات المذهبية . في هذه الحال أطل ابن رشد الحفيد ( ت 595 ه ) فأنكر الصراعات ، وأسلوب الخصومات الذي ألحق الضرر بالإسلام . . ودعا إلى اكتشاف الصلة الوطيدة ما بين الشريعة والحكمة [ الفلسفة ] . . . ثم جاء الرازي ليتهم الجرجاني بعدم الترتيب في درسه ، وإسهامه وإطنابه .
وفي القرن السابع ظهر ابن أبي الإصبع المصري ( ت 654 ه ) بكتابه بديع القرآن ، ثم كان القرن الثامن ليرى الإمام يحيى بن حمزة العلوي ( ت 749 ه ) ساحة البلاغة فارغة [ على ما رآه ] بل أنحى باللائحة على أولئك لتقصيرهم ، وعدم كفاءتهم :
« ثم لو عذرنا من كان منهم ليس له حظ في المباحث الكلامية ، ولا كانت له قدم راسخة في العلوم الإلهية ، وهم الأكثر منهم كالسكاكي وابن الأثير وصاحب التبيان « 4 » . . .
فما بال من كان له اليد الطولى كالرازي فإنه أعرض عن ذلك في كتابه المصنّف في علم
هامش
( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ، ص ( 43 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) التبيان في علم البيان لكمال الزملكاني ، وعبد الواحد بن عبد الكريم ( 615 ه ) .