تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
البشرية المحمودة لكونها أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط ، كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين الجبن والتهور ، ثم أطلق على المتصف بها إطلاق الحال على المحل ، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع لأنه كما قلنا اسم جامد فلا تعتبر مطابقته ، ولما كانت العدالة جماع هذه الصفات سميت وسطا ، قال زهير :
هو وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وقيل الوسط : الخيار ، ويؤيده قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
« 1 » والأمة المحمدية وسط المفرطين والمفرّطين ، فلا هم كالنصارى جعلوا الرسول إلها ولا كاليهود قتلوا الأنبياء ، وكذبوا الرسل ، وبدلوا الكتب ، غير أن الأنسب بقوله :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ
أن يراد بالوسط : العدول » « 2 » . وقد يوشي المؤلف تفسيره آية الأحكام بفوائد بلاغية أسلوبية ، ويعلل تعليلات نافعة ، وإن لم يكن لها علاقة بمآل الحكم . . . إنما استنباطات تجعل القارئ المطّلع أشد إحاطة بعظمة البيان القرآني وأدائه البديع وفيما يلي دراسة لمثال واحد من آيات الأحكام ذات الصلة : قال تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
« 3 » . ( الزنى ) : مقصور في اللغة الفصحى ، وهي لغة الحجازيين . وقد يمدّ في لغة أهل نجد . والزنى من الرجل وطء المرأة في قبل من غير ملك ولا شبهة ملك ، والزنى من المرأة تمكينها الرجل أن يزني بها . . » « 4 » . ( والجلد بفتح الجيم ) : ضرب الجلد - بكسرها - وقد جاء صوغ فعل مفتوح العين من أسماء الأعيان فيقال : رأسه ، وظهره وفؤاده ، وحسه : إذا أصاب رأسه وظهره وبطنه وفؤاده وحسه . . . وجوّز الراغب أن يكون معنى جلده : ضربه بالجلد ، مثل عصاه : ضربه بالعصا . وسافه : ضربه بالسيف ، ورمحه : طعنه بالرمح .
( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا )
: شروع في تفصيل الأحكام التي أشير إليه في قوله : « وفرضناها » والرفع في قوله جلّ شأنه : « الزانية » عند سيبويه والخليل على أنه مبتدأ خبره
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : ( 110 ) . ( 2 ) محمد علي السائس ، تفسير آيات الأحكام ( 1 / 95 - 97 ) . ( 3 ) سورة النور ، الآية : ( 2 ) . ( 4 ) محمد علي السائس ، تفسير آيات الأحكام ، مج ( 3 ) ، ( 2 / 206 ) .