تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
وأخرج أبو داود عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال اللّه تعالى :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ
الآية إلى قوله :
سَبِيلًا
فذكر الرجل بعد المرأة ثم جمعهما فقال :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ
الآية فنسخ اللّه ذلك بآية الجلد فقال :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ وأولياء الأمر مكلفون بإقامة هذا الحد ] . لكن السنة القطعية فرّقت في الحد بين المحصن وغير المحصن ، وأجمع الصحابة رضي اللّه عنهم ومن تقدم من السلف وعلماء الأمة ، وأئمة المسلمين على أنّ من زنى وهو محصن فإنه يرجم حتى يموت ، ولا نعلم خلافا في ذلك لأحد إلا بعض المبتدعة من الخوارج ، فإنهم قالوا : إن الرجم غير مشروع ، وإنّه لا فرق في الحد بين المحصن وغير المحصن ، وسنبين فساد مذهبهم إن شاء اللّه تعالى . والقائلون إن الرجم مشروع قد اختلفوا فيه أهو تمام ما على المحصن من العذاب ، أم هو والجلد قبله حد المحصن . . . فإلى الأول ذهب جمهور الصحابة والتابعين ، وفقهاء الأمصار ، وإلى الثاني ذهب علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وإسحاق وأهل الظاهر ، وهو رواية عن أحمد رحمه اللّه . فعلى رأي الجمهور يكون المراد بالزانية والزاني في الآية الكريمة البكرين ، وتكون الآية مخصوصة بالسنة القطعية ، أو بالآية المنسوخة التلاوة ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه ) على كلام فيها . وعلى رأي أهل الظاهر تكون الآية باقية على عمومها ، ويكون الرجم حكما زائدا في حق المحصن ثبت بالسنة . والظاهر أيضا من قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
أنه يشمل الرقيق وغيره فيكون الحد في الجميع واحدا ، لكن قوله تعالى :
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
أخرج الإماء من هذا الحكم ، فإنّ الآية نزلت فيهن ، وكذلك أخرج العبيد لأنه لا فرق بين الذّكر والأنثى بتحقيق المناط . وقال بعض أهل الظاهر عموم قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة ، إلّا أنه ورد نص بالتنصيف في حق الأمة ، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس ، يعني وهم لا يقولون به . [ لا يقولون بالقياس على أنه مصدر من مصادر التشريع ] . ومن الظاهرية من قال : الأمة إذا تزوجت فحدّها في الزنى خمسون جلدة لقوله تعالى :
فَإِذا أُحْصِنَّ
فإذا لم تتزوج فحدها مائة جلدة للعموم في كلمة
الزَّانِيَةُ
.
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 379 | عبد القادر محمد صالح