تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
هنا النمامون ، المقطعون لروابط الألفة ، . . وأراد اللّه أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجته .

إنكار محمد عبده لبعض الأحاديث الصحيحة :

لقد وردت أحاديث صحيحة في سحر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم فعمد عبده إلى ردّها اعتقادا منه إن هذا يتنافى مع مبدأ عصمة الرسول ! « وقد رووا هنا أحاديث في أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم سحره لبيد بن الأعصم ، وأثر سحره فيه حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله أو يأتي شيئا وهو لا يأتيه ، وأن اللّه أنبأه بذلك . . . » ويقول لو أن هذا السحر وقع فعلا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « هو مما يصدّق قول المشركين فيه :
. . . أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ( 8 )
« 1 » ، وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله وخيّل إليه أن شيئا يقع وهو لا يقع ، فيخيل إليه أنه يوحى إليه ، ولا يوحى إليه ، وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما النبوة ؟ ولا ما يجب لها : إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة . قد صح فيلزم الاعتقاد به وعدم التصديق به بدع من بدع المبتدعين ، لأنه ضرب من إنكار السحر » « 2 » . ويحاول عبده أن يرسخ وجهة نظره في إنكار السحر معتمدا على القرآن أيضا ، الذي ردّ مزاعم المشركين عندما اتهموه أنه ساحر أو مسحور « والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به وأنه كتاب اللّه بالتواتر عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلّم فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته ، وعدم الاعتقاد بما ينفيه وقد جاء بنفي السحر عنه صلى اللّه عليه وسلّم . . إذ وبخ القرآن المشركين على زعمهم أن الرسول مسحور . . فإذا هو ليس بمسحور قطعا ، أما الحديث فعلى فرض صحته هو آحاد ، والآحاد لا يؤخذ في باب العقائد ، وعصمة النبي صلى اللّه عليه وسلّم في تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين ، ولا يجوز أن يؤخذ فيها الظن والمظنون على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظنّ عند من صحّ عنده ، أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجة ، وعلى أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث ، ولا نحكمه في عقيدتنا ونأخذ بنص الكتاب ، وبدليل العقل ، فإنه إذا خولط النبي في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلّغ شيئا وهو لم يبلغه ، أو أن شيئا نزل عليه ، وهو لم ينزل عليه والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان » « 3 » . . على أننا سوف
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : ( 8 ) . ( 2 ) محمد عبده ، تفسير جزء عمّ ، ص ( 181 - 192 ) . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص ( 91 ) .