كأن الأمر قد عرض فيه على مجلس شورى ، فهذا يورد وذاك يدفع ، واحد يقول افعل ، وآخر يقول لا تفعل ، حتى ينتصر أحد الطرفين ، ويترجّح أحد الخاطرين فهذا الشيء الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرا ، وهي في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه ، وروح لا تكتنه حقيقتها ، لا يبعد أن يسميها اللّه ملكا ، أو يسمى أسبابه ملائكة أو ما شاء من الأسماء فإن التسمية لا حجر فيها ، على الناس فكيف يحجر على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع » « 1 » .
ومن غريب ما يراه محمد عبده ، « أن الإنسان بعد ما خلقه ومنحه قواه وخصائصه ، على نحو ممتاز ، وسخر له ما في الأرض ، عبر عن هذا التسخير بالسجود ، أي إن سجود الملائكة وهو عبارة عن تسخير وبهذا الاستعداد ، وبهذا التسخير ، جعل الإنسان خليفة في الأرض « استثنى من هذه القوة قوة واحدة عبّر عنها بإبليس . . . وهذه القوة هي التي تميل بالمستعد إلى الكمال ، أو بالكامل إلى النقص ، وتعارض من الموجود لترده إلى العدم . . » « 2 » .
ويجعل قصة الملائكة تمثيلا « وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا : أن إخبار اللّه الملائكة فجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه ، التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض ، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ، ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك ، وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض ، ويعلم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه بها في استعمارها ، وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدّى وظيفته ، وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ، . . وإباء إبليس واستكباره عن السجود ، تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر ، وإبطال داعية خواطر السوء ، التي هي مثار التنازع والتخاصم والتعدي والإفساد في الأرض . . » « 3 » .
محمد عبده وموقفه من السحر كما ورد في المنار :
لقد بدا موقف محمد عبده من مسألة سحر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم موقفا يتعارض مع أهل السنة ويلتقي مع المعتزلة ، فقد فسّر معنى « النفاثات بالعقد » من سورة الفلق بقوله : « المراد بهم
هامش
( 1 ) محمد عبده ، تفسير المنار ، ( 1 / 168 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 169 ) .
( 3 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 281 ، 282 ) .