موقف محمد عبده من حقيقة الملائكة وإبليس :
قال تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 )
« 1 » إلى آخر الآيات التي تحكي قصة استخلاف آدم وسجود الملائكة له ، ورفض إبليس السجود بحجة أنه خير منه .
قال محمد عبده : « ذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة ، وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان ، وحفظ إنسان ، وغير ذلك فيه إيحاء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة ، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص ، نفخه اللّه في البذرة ، فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة .
وكذلك يقال في الحيوان والإنسان ، فكل أمر كلّي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع ملكا ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسم هذه المعاني « القوى الطبيعية » إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة . والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها ، وبه قوامها ونظامها ، لا يمكن العاقل أن ينكره ، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكا ، وزعم أن لا دليل على وجود الملائكة ، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية ، أو ناموسا طبيعيا ، لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسمّيات ، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه ، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ، ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها ، ولا يعلم إلا اللّه علام يختلف النّاس ، وكلّ يقرّ بوجود شيء غير ما يرى ويحس ، ويعترف بأنه لا يفهمه حقّ الفهم . ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه ؟
وما ذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما غيّب عنه لو قال : أصدق بغيب أعرف أثره وإن كنت لا أقدر قدره فيتفق مع المؤمنين بالغيب ، ويفهم بذلك ما يرد على صاحب الوحي ويحظى بما يحظى به المؤمنون » « 2 » .
ويريد أن يقول : « أن الداعي إلى الخير في داخل النفس البشرية يمكن أن نسميه ملكا ، أما داعي الشر فيمكننا أن نسميه شيطانا « يشعر كل من فكر في نفسه ، ووازن بين خواطره عندما يهتم بأمر فيه وجه للحق أو للخير ووجه للباطل أو للشر بأن في نفسه تنازعا
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : ( 34 ) .
( 2 ) محمد عبده ، تفسير المنار ، ( 1 / 167 ، 168 ) .