على محاربة الفقر اللائح في ذهنه يهدده بالنزول به ، لما أصيب بذلك المرض القاتل له ولأهله » « 1 » . . . وهكذا يضرب الأمثلة الكثيرة ، ويستنبط منها العبر الغزيرة التي تحمل الفائدة للناس . والعلماء لا عذر لهم إذا تقاعسوا عن حمل الهداية إلى الناس . . . « يجب على العلماء ومن يتشبه بهم أن يتعلموا وسائل القيام بالواجب ما تدعو إليه الحال ، على حسب الأزمان واختلاف أحوال الأمم ، وأول ما يجب عليهم في ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح ، وعلم تكوين الأمم ، وارتفاعها وانحطاطها ، وعلم الأخلاق وأحوال النّفس ، وعلم الحس والوجدان ، ونحو ذلك مما لا بد منه في معرفة مداخل الباطل إلى القلوب ، ومعرفة طرق التوفيق بين العقل والحق ، وسبل التفريق بين اللذة والمنفعة الدنيوية والأخروية ووسائل استمالة النفوس عن جانب الشر إلى جانب الخير . فإن لم يحصلوا على ذلك كلّه فوزر العامة عليهم . ولا تنفعهم دعوى العجز ، فإنهم ينفقون من أزمانهم في القيل والقال والبحث في الألفاظ والأقوال ما كان يكفيهم أن يكونوا بحار علم ، وأعلام هدى ورشد » « 2 » .
محمد عبده يربط بين الفرد والمجتمع ربطا محكما :
موقع الإنسان الفرد في مجتمعه ، كموقع اليد من الجسد ، فإذا ما أصاب اليد الشلل أو العطل ، فإن هذا المجتمع أصيب بالقصور ، ودان بالعجز ، لذا كان لا بد للفرد أن يبذل من الجهد من أجل دفع مجتمعه نحو التقدم والتطور ، ولاحظ كيف ربط محمد عبده علاقة الفرد بمجتمعه من خلال دور الفرد وذلك في تفسيره لقوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 )
« 3 » . . قال محمد عبده :
« فلا يعدّ الشخص بارا ولا برا حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب ، فلا يغترنّ أولئك الكسالى الخاملون ، الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركعات من الخشية خاليات ، وبتحميدات وبتسبيحات ، وبتكبيرات ، ملفوظات غير معقولات ، وصيحات غير لائقات بأهل المروءة من المؤمنين والمؤمنات ، ثم بصوم أيام معدودات لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات ، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الدين قام أم سقط ، ارتفع أو انحط ، ومع حرصه وطمعه وتطلعه لما في أيدي الناس ، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم :
لا لشيء سوى أنهم عاملون في كسب المال وهو غير عامل ؛ وهم يجرون على سنة الحق
هامش
( 1 ) محمد عبده ، تفسير سورة الفاتحة ، وست من خواتيم القرآن ، ص ( 87 ، 89 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ص ( 99 ، 100 ) .
( 3 ) سورة الانفطار ، الآية : ( 13 ) .