من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط » « 1 » .
ويرى محمد عبده أن ميزان اللّه غير ميزان القبائل أو ميزان عامة البشر مهما دق وأتقن ، لأن اللّه أعظم من ذلك ولن يصل الإنسان إلى تصور صحيح ومعرفة أكيدة عن مواصفات هذا الميزان لأن اللّه لم يخبرك عنه أيها الإنسان . لذا قال محمد عبده :
« عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخبر اللّه به أن تؤمن أن اللّه يزن الأعمال . ويميز لكل عمل مقداره ، ولا تسل كيف يزن ، ولا كيف يقدر ، فهو أعلم بغيبه ، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون » « 2 » .
كيف عالج محمد عبده المسألة الاجتماعية في تفسيره ؟
لقد كان محمد عبده حريصا كل الحرص أن يأخذ من كل آية نفعا اجتماعيا لأن القرآن أنزل هدى ورحمة وبشرى للناس ، لذا فإن كل آية تحمل فائدة للمجتمع ، تعالج أمراضه ، وتزكي روح الخير والإيجابية في الإنسانية المعطاءة . . فعند ما يتناول آية من القرآن تناولت قضية اجتماعية فإنه يتوسع فيها ، ويلقي من تفسيره ، وتوضيحه حتى يبدو النص القرآني واضحا للعقول إن العلاج في القرآن .
فسّر الإمام محمد عبده سورة « العصر » تفسيرا مطوّلا وتحدث عن معاني جليلة في هذه السورة ثم وقف عند
« وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ »
وقال :
« والصبر ملكة في النفس يتيسّر معها احتمال ما يشق احتماله ، والرضى بما يكره في سبيل الحق ، وهو خلق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خلق ، وما أوتي الناس من شيء مثل ما أوتوا من فقدان الصبر أو ضعفه . كل أمة ضعف الصبر في نفوس أفرادها ، ضعف فيها كل شيء ، وذهبت منها كلّ قوة ، ولنضرب لذلك مثلا : نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم ، إذا دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر » . . يجلس الطالب لدرسه سنة أو سنتين ، ثم تعرضه مشقة التحصيل فيترك الدرس أو يتساهل في فهمه إلى حرفة أخرى يظنّها أريح له ، فينقطع عن الطلب ، ويذهب في الجهل كل مذهب ، وكل هذا من ضعف الصبر . . يبخل البخيل بماله ، ويجهد نفسه في جمعه وكنزه ، وتعرض له وجوه البر فيعرض عنها ، ولا ينفق درهما في شيء منها ، فيؤذي بذلك وطنه وملته ، ويترك الشر والفقر يأكل قومه وأمته ، ولو نظرنا إلى ما قبضت يداه لوجدناه ضعف الصبر ، ولو صبر
هامش
( 1 ) محمد عبده ، تفسير جزء عمّ ، ص ( 147 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .