أن يكوّن لنفسه أدوات فهم للقرآن ، لأنه لا يكفي أن تستقبل آراء الآخرين وما قالوه في القرآن « إن اللّه تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس ، وما فهموه إنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا وعن سنة نبينا الذي بيّن لنا ما أنزل إلينا . . يسألنا : هل بلغتكم الرسالة ؟ هل تدبرتم ما بلغتم ؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به أمرتم « 1 » ؟
لقد كان توّاقا إلى الفهم المأخوذ عن دراسة وترو « وأعني بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها ، وتملكه مواعظه فتشغله عما بين يديه مما سواه ، لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا ، لم يصحبه ذلك الذوق ، وما يتبعه من دقة الشعور ولطف الوجدان » « 2 » .
وقد كان محمد عبده مخلصا متحمسا لأهدافه الإصلاحية في التفسير ، كما كان حرا في بحثه ، لا يكترث بضغط الواقع ، ولا ينحني لثقله ما دام ما رآه مقتنعا به ، فمن النوادر الطريفة التي وقعت له بعد تفسيره بعض آيات القرآن ما قاله أحد المحاورين : إن ما قلته لا يوافق عليه الجمل ، [ يعني بالجمل أحد الأشخاص الملقب بهذا اللقب وهو أحد المؤلفين الذين كتبوا الحواشي لتفسير الجلالين ] - فأجاب محمد عبده فورا :
« إنني أقرر المعنى الجليل ، والكلام البليغ ، ولا يعنيني أوافق عليه الجمل أو الحمار » « 3 » .
محمد عبده والإسرائيليات :
المقصود بالإسرائيليات : المرويات المنقولة عن أهل الكتاب .
كان محمد عبده نفورا من الإسرائيليات ، لا يتدخل في تفسير الجزئيات ، قناعة منه بعدم الفائدة من ولوجها ، ولعدم تكليف اللّه تعالى عباده بولوجها بحثا عن دقائقها وتفصيلاتها ، ولو كان في ذلك فائدة للناس في حياتهم « لدلّنا عليه في كتابه أو على لسان نبيه » « 4 » . والحق أن المتتبع لتفسير محمد عبده وتلامذته من بعد في المنار لوجدهم عزوفين عن التكلف في فهم المبهمات أو الجزئيات ، إنما كان « مذهبه في جميع مبهمات القرآن يقف عند النّص القطعي لا يتعدّاه ، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه » .
هامش
( 1 ) محمد عبده ، ورشيد رضا ، المنار ، ( 1 / 27 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) عثمان أمين ، محمد عبده ، ط عيسى البابي الحلبي ( 1944 ) ، ص ( 27 ) .
( 4 ) محمد عبده ، تفسير المنار ، ( 2 / 320 ) .