تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
ولعل بعض الأمثلة التطبيقية لما أسلفناه عن نهج محمد عبده تساعدنا في توضيح الأمر ، قال تعالى في سورة الانفطار :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ ( 11 )
« 1 » . قال محمد عبده في تفسير هاتين الآيتين : « ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه : أن علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات ، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء ومن أي شيء خلقوا ، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم ، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا . . . وهو يبعد فهمه ؟ أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال ؟ وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد ؟ أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث اللّه الناس ؟ كل ذلك لا نكلّف العلم به ، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر ، وتفويض الأمر في معناه إلى اللّه ، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا هو : أن أعمالنا تحفظ وتحصى ، لا يضيع منها نقير ولا قطمير » « 2 » . وعندما يفسر محمد عبده سورة البروج ويتحدث القرآن عن أصحاب الأخدود نرى المفسّر غير مولع بتحديد المكان ، ولا من هؤلاء المؤمنون ؟ وأين كانوا ؟ . . . إنه كان يريد التقاط الموعظة ، ووضع اليد على المنفعة التي تنفع الناس يقول : « غير أن المؤمن لا يحتاج في الاعتبار وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم والجهة ، وخاصة الدين الذي كان عليه أولئك أو هؤلاء حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات ، والأساطير المحشوة بالخرافات ، وإنما الذي عليه هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولا ، ولو علم اللّه خيرا في أكثر من ذلك لتفضّل علينا به » « 3 » . وينتقد محمد عبده تدخل بعض المفسرين في تفسير بعض المغيبات التي لم يكشفها النّص القرآني مثل تناول بعضهم صفات الميزان الذي يزن أعمال الناس يوم القيامة ، وذلك خلال تفسير سورة القارعة « إنه ميزان بلسان وكفتين كأطباق السماوات والأرض ، ولا يعلم ماهيته إلا اللّه » يعقب محمد عبده على أقوال المفسرين : « فما ذا بقي من ماهيته بعد لسانه وكفتيه حتى يفوّض فيه العلم إلى اللّه ؟ ! والكلام فيه جرأة على غيب اللّه بغير نص صريح متواتر عن المعصوم . ولم يرد في الكتاب إلا كلمة ميزان ، وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد ، وما عدا ذلك فعلمه إلى اللّه سبحانه ، وقد قالوا : إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر ، إذا كان القائل به يحدد له لسانا وكفتين مع أن البشر اخترعوا
هامش
( 1 ) سورة الانفطار ، الآيتان : ( 10 ، 11 ) . ( 2 ) محمد عبده ، تفسير جزء عمّ ، ص ( 36 ) . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص ( 59 ) .
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 310 | عبد القادر محمد صالح