تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
غير أنها جمعت له أنصارا وأعدّت له معجبين ، فكانوا بما قال من المؤمنين . وهذا شأن كل جديد مع كل قديم يصطرع معه ، فإن كان الجديد يمتلك قابلية الحياة والاستمرار أخذ مكانه في الأرض ، ونمت شجرته ، ونضج ثمره ، وإن لم يكن حاملا قابلية الحياة ذهب جفاء كما يذهب الزبد . ويمكن القول : إن محمد عبده كان يدعو إلى فهم القرآن فهما يبرز الدين أداة هداية ورشاد للإنسانية مبتغيا سعادتها غير مضيق عليها في دنياها ، فاتحا لها أبواب الآخرة السعيدة المبشرة بحياة طيبة في جنات اللّه التي أعدت للمتقين . . لذا فإن محمد عبده نأى بنفسه من خلال تفسيره بعيدا عن التفريعات الفقهية ، أو التطبيقات النحوية والصرفية ، لأنه كان يرى أن التركيز على النحو والصرف والفقه في كتب التفسير السابقة والقديمة منها على الخصوص قد أخرجت هذه التفاسير عن مقاصدها وأهدافها الداعية إلى الرشد والهداية وتوضيح سبيل المؤمنين على نحو سهل ميسّر « 1 » . وكي يستطيع محمد عبده أن يختطّ لنفسه نهجا نافعا في التفسير فإنه درس التفاسير القديمة ووجدها لا تخرج عن نوعين : النوع الأول : « جاف مبعد عن كلام اللّه تعالى وهو الذي اهتم بتدبر معاني الألفاظ ، وإعراب الجمل ، وبيان ما ترمي إليه العبارات والإشارات » وبرأي محمد عبده أن هذا « لا يسمى تفسيرا وإنما ضرب من التمرين في النحو والصرف ، والمعاني ونحوها » . والنوع الثاني : اهتم بفهم المراد والمقاصد من القول ، كما حاول أن يدرس علل التشريع وأسبابه وحكمه دراسة جلّابة للدين والأخلاق ، منفّرة من الشر والرذيلة والأعراف . بهذا يتحقق بهذا التفسير الفائدة المبتغاة ، والأمل المرجو بالدعوة إلى الخير والهداية ، المودعة في القرآن الكريم الواضحة في قوله تعالى في وصف القرآن الكريم :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 89 )
« 2 » . هذا ما أراده محمد عبده من تفسيره كما قال « 3 » . وعندما قال محمد عبده إنه يريد الابتعاد عن الجوانب النحوية والبلاغية في تفسيره ، فإنه لم يبلغها تماما إنما تناول جوانب بلاغية بالقدر الذي يخدم تفسير المعنى ، ويكسبه
هامش
( 1 ) محمد عبده ، تفسير المنار ، ( 1 / 17 ، 18 ) . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : ( 89 ) . ( 3 ) محمد عبده ، تفسير المنار ، بتصرف ( 1 / 25 ) .
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 306 | عبد القادر محمد صالح