من الصحيح أن نشوء التأويل في الحياة الإسلامية له ظروفه الثقافية وعوامله الداعية ، ولكن الصحيح أيضا أن هذه الظروف قد زالت ويجب أن تزول معها نتائجها - وعلى الفريقين ألا يعيشوا بمناخ القرن الخامس والسادس والسابع الهجري ، وألا يظنوا أن السبكي الشافعي المؤول ، وابن تيمية الحنبلي ما زالا يمتطيان صهوات النقاش والجدال العنيف ، . . وعلينا أن نسأل أنفسنا : لما ذا لم يختلف المسلمون على حرمة الخمر أو الزّنا أو السرقة ، أو وحدانية اللّه ، أو أن اللّه صاحب الحق في التحريم والتحليل وحده لا غير . .
وما أظن الجواب خافيا على أحد ، فالجميع سيقول إن هذه نصوص قاطعة حاسمة لا يجوز الخلاف فيها . وأما النصوص المحتملة ، وإن كانت الأفهام تميل إلى هذا القوي أكثر من ذاك ، فليس بالإمكان نقلها إلى اليقين والقطع كما نقلها الشنقيطي أو غيره . . ولا يجوز اتهام الذي أثبتوا للّه ما أثبته لنفسه بالمشبهين ولا المجسمين « 1 » . كما يجب إقفال المعارك الجدلية ، وليس إقفال الحوار الهادئ المهذّب المراد منه إيصال الناس إلى الحق الذي ينقل الناس من براثن الخطأ ، إلى نور الحقيقة لأن الحوار الناضج هو الذي يهب الفكرة صفاء ونقاء ينشده كل مخلص .
موقف صاحب أضواء البيان من التقليد :
ليس أمرا خفيّا الخلافات الدائرة بين أنصار المذاهب الإسلامية الأربعة المشهورة ومن خالفهم من الداعين إلى عدم جواز تقليد أيّ إمام كان . . لذا فإن صاحب أضواء البيان حاول أن يجلي المسألة في كتابه « أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن » فيقول :
التقليد لغة : جعل القلادة في العنق . . . ومنه قول لقيط الإيادي :
وقلدوا أمركم للّه دركم * رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا « 2 »
« وأما التقليد في اصطلاح الفقهاء فهو الأخذ بمذهب الغير من غير معرفة دليله » « 3 » .
والمذهب : لغة الطريق ، . . . ثم له معنى عرفي « ما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية محل الغرض منه بلفظه » « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر محمد بن أحمد مسكة بن العتيق اليعقوبي ، فتاوى ابن تيمية في الميزان ص ( 48 ، 49 ، 50 ) ، ترى فيه تفسيق وتكفير ابن تيمية لأنه مجسم وكذا ابن القيم لنفس السبب . ولمن يقول بقولهم إلى يومنا هذا . . . وينقل المؤلف أقوالا لابن تيمية ولابن القيم في تفسيق الأشاعرة ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه ! في زمن نحن بحاجة فيه إلى توحيد صفوف المسلمين .
( 2 ) من البحر الطويل .
( 3 ) محمد الأمين الشنقيطي ، أضواء البيان ، ( 5 / 90 ) .
( 4 ) المصدر نفسه .