تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥

وجهة نظر في آيات الصفات :

وإن كنا نقول ما قاله ربنا في الكتاب ونثبت ما أثبته لنفسه من الصفات بلا كيف ، ولا تشبيه
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 1 » . إلا أننا نرى أن المسألة ليست قطعية كما أبرزها صاحب أضواء البيان ، وإن كان ما عرضه يمتاز بقوة الحجة والبرهان ، وفصاحة الإثبات والبيان ، مذكرين أن الصحابة كانوا ينطلقون للعمل بعد أن تفيض قلوبهم بمشاعر الإيمان ، فعند ما يتلون
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
فهم يندفعون نحو العمل بأن اللّه مناصرهم لأن وضع اليد على اليد فيه مناصرة ومؤازرة ومعونة . وعندما يتلون أن اللّه « سميع ، بصير . . . الخ » . فهم ينطلقون إلى الحياة معمرين بانين ، مجاهدين فاتحين ، ذاكرين . . لأن اللّه يسمعهم ، ويبصرهم فلا يقولون فحشا ولا زورا ، ولا يفعلون منكرا ولا عيبا لأن اللّه سميع يسمعهم ، وبصير يبصرهم . وبهذا المفهوم تحوّلت آيات الصفات إلى نصوص دافعة إلى العمل النظيف . ولم تتحول في عهدهم الأول إلى مادة جدل لا طائل تحته . كأن يسمع بما ذا ؟ وكيف بأذن أو بغير أذن ؟ ويبصر بعين أو بغير عين ؟ ويده كيف ، وجنبه كيف . . . الخ . فخلاصته ضرورة الخروج من هذه المعارك والالتفات نحو العمل بالمعاني التي تفيده مثل هذه الآيات . . . وإن كان التسليم كما وردت - مع
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
أسلم وأتقى . . . مقرين بصحة عقائد الصحابة والتابعين . وبعدم خروج من أوّل عن ساحة الإسلام إنما يحسن النية وسلامة القصد ، نال المؤولون أجرا واحدا إن شاء اللّه . هكذا يجب أن ينظر أهل الحديث والذين أثبتوا للّه ما أثبت لنفسه للمؤولة ، ثم على المسلمين الذين تأوّلوا آيات الصفات خروجا من التشبيه إلى التنزيه كان عليهم أن يقروا أولئك على ما قالوا به . . وأن ينظروا إليهم على أنهم مجتهدون رفضوا تأويل الصفات كي لا يقعوا في التعطيل ، وكي لا يقال أن استولى خير من استوى ، ووضع القدرة أو النعمة أفضل من كلمة يد . . وأن يلتفت الطرفان إلى العمل بالمعاني العملية التي يمكن أن تؤثر فيها آيات الصفات على حياة المسلمين اليومية ، وألا يصرف المزيد من الحوار والجدال الذي أخذ جهدا كبيرا من جهود الأمة في القرون الأخيرة ، وأحرز ما أحرز من الفرق والفرقة ، . . فالكل يعلم أن ابن تيمية رمى الأشاعرة بالتعطيل ووصفهم بالجهميّة ، وربما بدّعهم أو فسّقهم - ورموه بالتشبيه والتجسيم والتكبر وصنفوه مع الحشوية المشبهة مرة ، وبالاعتزال مرة أخرى وامتدّ هذا الصراع عبر أجيال عديدة ، وحقب زمنية متوالية . .
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، الآية : ( 11 ) .