وبهذا يرى الشنقيطي أن ما ادعاه بعضهم بوجوب صرف هذه النصوص الظاهرة عن ظاهرها إجماعا « لا وجود له البتة لأنه مبني على شرط مفقود . . . فالإجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب اللّه ولا سنة رسوله ، ولم يقله أحد من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ولا من تابعهم ، ولم يقله أحد من الأئمة الأربعة ، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين » « 1 » .
وهذا الأمر يبيّنه الشنقيطي في مقدمة الأضواء « إن اللّه تبارك وتعالى موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازا لأننا نعتقد اعتقادا جازما . . أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تدل البتة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق واتصافه تعالى بالكمال والجلال ، وإثبات التنزيه والكمال والجلال للّه حقيقة لا مجازا لا ينكره مسلم » « 2 » .
لذا لا حجة لمن أوّل « استوى » باستولى مشبهين استيلاء اللّه باستيلاء بشر بن مروان على العراق ، الذي ورد في قول الشاعر :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
ولو أنّهم تدبروا كتاب اللّه لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء وتبديل اليد بالقدرة أو النعمة لأن اللّه جلّ وعلا يقول في محكم كتابه في سورة البقرة :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 )
« 3 » .
فالقول الذي قاله اللّه لهم هو قوله حطة ، وهي فعلة من الحط بمعنى الوضع ، خبر مبتدأ محذوف أي : دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا . . . وفي روايات الحديث أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نونا فقط فقالوا حنطة وهي القمح . . وأهل التأويل قيل لهم على العرش استوى فزادوا لاما فقالوا : استولى . . . وهذه اللام التي زادوها أشبه شيء بالنون التي زادها اليهود في قوله تعالى :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
« 4 » ويقول اللّه جلّ وعلا في منع تبديل القرآن
قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
« 5 » .
واليهود لم ينكروا أن اللفظ الذي قاله اللّه لهم هو لفظ « حطة » ولكنهم حرفوه بالزيادة المذكورة ، وأهل هذه المقالة لم ينكروا أن كلمة القرآن استوى ولكن حرفوها وقالوا في
هامش
( 1 ) محمد الأمين الشنقيطي ، أضواء البيان ، ( 2 / 72 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : ( 59 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : ( 58 ) ، وسورة الأعراف ، الآية ( 161 ) .
( 5 ) سورة يونس ، الآية : ( 15 ) .