الفلسفية وعلوم المنطق إلى اللغة العربية . . والذين لجؤوا إلى تأويل النصوص ( وهم علماء الكلام من الأشاعرة والمعتزلة ) لم يكونوا يقصدون إلّا تنزيه الذات الإلهية عن مشابهة المخلوقين ، وإن كان العلماء الناهجون نهج السلف الرافضون تأويل الآيات تأويلا يصرفها عن ظاهرها وقفوا موقف المعارض لهذا الاتجاه . .
لقد قدّمنا سابقا موقف الشنقيطي من الآراء والأفهام التي تناولت الآية الكريمة :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 7 )
« 1 » . . . وبقيت مسألة السلف والخلف مسألة غير محسومة بين تيارين : الأول يعتبر أن الصحابة خير من فهم الدين والقرآن ، والرسول كان بين ظهرانيهم ، ولو أن التأويل هو الحق الذي ينزه اللّه عن المشابهة بالمخلوقين لبيّنه الرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، ولا سيما في العقائد فيما ظاهره الكفر والتشبيه » وفق قول المؤولة من الخلف ، فسكوت النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن البيان على الرغم من وجود الحاجة يعكر على الخلق كثيرا وجهة نظر المؤولة إلى درجة كبيرة . وتفسير « أضواء البيان لإيضاح القرآن بالقرآن » تناول هذا الموضوع من خلال تفسيره الآيات الكريمة الموهمة للتشابه بين الخالق ومخلوقاته . . . فتأسيسا على مقدمتنا الموضحة لموقف الشنقيطي من التأويل ، فإنّا نجد فيما تعرّض له صاحب « الأضواء » ترجمة عملية لموقفه النظري من التأويل ، وفيه بيان لموقفه من الذين تأوّلوا آيات الصفات ، ووصفهم بالمخطئين ودعا اللّه لهم أن يتجاوز عنهم الذي فعلوه لأنهم قصدوا تنزيهه عن المشابهة بالمخلوقين . فقصدهم حسن ، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة » « 2 » ويعلل الشنقيطي سبب تأويلهم لهذه الآيات « وإنما نشأ لهم ذلك بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح اللّه بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق ، فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصدا منهم لتنزيه اللّه ، وأوّلوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم » « 3 » . ونحن نرجو أن يغفر اللّه لهم خطأهم وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى :
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
« 4 » .
ومن الحجج التي يسوقها الشنقيطي لدحض آراء خصومه هو « أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم عالم كل
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : ( 7 ) .
( 2 ) محمد الأمين الشنقيطي ، أضواء البيان ، ( 5 / 70 ) .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) سورة الأحزاب ، الآية : ( 5 ) .