الوجه الثاني : ويسوقه الشنقيطي حوارا بينه وبين مخالفيه أنصار تأويل آيات الصفات « أن نقول لمن قال : بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم ، من كونها صفة كمال وجلال منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق .
هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد ؟ فلا بد أن يقول : لا . فإن قال ذلك قلنا : معرفة كيفية الصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات .
فالذات والصفات من باب واحد .
فكما أن ذاته جلّ وعلا تخالف جميع الذوات فإن صفاته تخالف جميع الصفات .
ومعلوم أن الصفات تتباين وتختلف باختلاف موصوفاتها » « 1 » .
ويضرب الشنقيطي أمثلة على ذلك كي يقرّب من الأذهان فكرته فيقول :
« ألا ترى مثلا أن لفظة ( رأس ) كلمة واحدة ؟
يريد أن يقول : أن الكلمة الواحدة يختلف مدلولها بحسب ما تضاف إليه - إن أضفتها إلى الإنسان فقلت رأس الإنسان ، وإلى الوادي فقلت : رأس الوادي . وإلى المال فقلت :
رأس المال ، وإلى الجبل فقلت : رأس الجبل . فإن كلمة رأس اختلفت معانيها ، وتباينت تباينا بحسب اختلاف إضافتها مع أنها في مخلوقات ، فما بالك بما أضيف من الصفات إلى اللّه وما أضيف منها إلى خلقه ، فإنه يتباين كتباين الخالق والمخلوق » « 2 » .
من خلال ما سبق يرى الشنقيطي أن لا نص في القرآن يوهم صفة للّه لا تليق به [ يقصد الذين قالوا أن صفات الخلق كاليد والاستواء ؟ . . . الخ لا تليق أن يوصف بها الخالق على ظاهرها ، لذا لا بد من تأويلها تنزيها للّه عن الشريك والشبيه أينما وردت في النصوص القرآنية والنبوية والسبب « لأن نصوص الوحي الواردة في صفات اللّه لا تدل ظواهرها البتة إلا على تنزيه اللّه ومخالفته لخلقه في الذات والصفات والأفعال » « 3 » .
ويرى أن الظاهر من النصوص ينزه اللّه تعالى بداهة فالمسلمون « لا يشك أحد منهم في أن الظاهر المتبادر إلى الذهن هو مخالفة اللّه لخلقه كما نصّ عليه بقوله
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 4 » وقوله :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 )
« 5 » .
هامش
( 1 ) محمد الأمين الشنقيطي ، ( 5 / 71 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه ، ( 5 / 72 ) .
( 4 ) سورة الشورى ، الآية : ( 11 ) .
( 5 ) سورة الإخلاص ، الآية : ( 4 ) .