العلم بأن الظاهر المتبادر ، مما مدح اللّه به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق ، ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق لأنه تشبيه بصفات الخلق لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك ، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ولا سيما في العقائد ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه » « 1 » إذا سلمنا بقول الذين نفوا الصفات .
ثم يعرض حجج القائلين بالتأويل نافين عن اللّه صفات المشابهة لمخلوقاته :
« إن العرب لا تعرف في لغتها كيفية لليد مثلا إلا كبقية المعاني المعروفة عندها كالجارحة وغيرها من معاني اليد المعروفة في اللغة » « 2 » . لذا يجب فهم « اليد » الواردة في القرآن على ضوء ما تفهمه العرب من لسانها الذي أنزل فيه القرآن .
يجيب الشنقيطي على الإشكال من وجهين :
الوجه الأول : أن العرب لا تدرك كيفيات صفات اللّه من لغتها لشدة منافاة صفة اللّه لصفة الخلق » « 3 » .
وتوضيح ذلك : أن العقل العربي يدرك صفات المخلوقين ، وبالتالي يعبر عن ذلك بأساليبه وأدواته . . . فالعرب عندما تعبر عن السمع والبصر تعبر عنهما من خلال الأذن والعين لأن الأذن والعين أدوات الإسماع والإبصار . من ذلك يظهر « ألّا فرق بين السمع والبصر ، وبين اليد والاستواء ، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك هو المشاهد في المخلوقات » « 4 » .
وأما ما قاله الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء فيندرج تحت التعبير عن أصل المعنى وهذا واضح في قوله : « الاستواء غير مجهول » [ أي ثابت معلوم ] والكيف غير معقول [ أي لا ندرك كيفية الاستواء ] والإيمان به واجب [ لثبوته في النص القرآني ] والسؤال عن بدعة [ لأن الرسول والصحابة من بعده لم يخوضوا فيه ولم يأولوه ] ولو كان ذلك واجبا ضروريا لما تأخر الرسول عن البيان في موقع الحاجة كما بيّنا سابقا . كما أن العرب تعرف من لغتها « أن بين الخالق والمخلوق ، والرزق والمرزوق ، والمحيي والمحيا والمميت والممات ، فوارق عظيمة لا حد لها تستلزم المخالفة التامة بين صفات الخالق والمخلوق » « 5 » .
هامش
( 1 ) محمد الأمين الشنقيطي ، أضواء البيان ، ( 5 / 71 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) المصدر نفسه .