ولقد أراد اللّه تبارك وتعالى رحمة بعقولنا أن يقرّب لنا قضية الغيب فأعطانا من الكون المادي أدلة على أن وجود الشيء وإدراك هذا الوجود شيء منفصل » « 1 » .
والناظر في تفسير الشعراوي أو في خواطر الشعراوي القرآنية يرى أن الشعراوي كثيرا ما يخرج عن الدلالة الحرفية اللغوية إلى التجليات العامة للنص التي لا تكن ملفوظة ضمن النص لكنها تكمن وراء النص ، أو يرسمها النص رسما عاما محتملا ، موحى إيحاء يحتاج إلى جهد لاستقرائه وفهمه وتوظيفه .
ومن جميل اللفتات التي يستقيها الشعراوي من كلمة « الرزق » إضفاؤه على اللفظة الواحدة معاني عديدة مركبة ، لكنك لو جمعت هذه المعاني لوجدت كلمة رزق تستغرقها جميعا ، إنها تجليات النص ، تجليات المفردة القرآنية الخصبة ، الغنية بالدلالات ، الواسعة الإمدادات . قال تعالى :
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
« 2 » .
إقامة الصلاة : « إدامة ولاء العبودية للحق تبارك وتعالى ، وهي لا تسقط عن الإنسان أبدا ، فالإنسان يصلي وهو واقف فإن لم يستطع يصلي وهو جالس ، فإن لم يستطع فيصلي وهو راقد ، ولا تسقط الصلاة عن الإنسان من ساعة التكليف إلى ساعة الوفاة كل يوم خمس مرات . . .
ويقول الحق تبارك وتعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
: « وحين نتكلم عن الرزق يظن كثير من الناس أن الرزق هو المال . نقول له : الرزق هو ما ينتفع به . فالقوة رزق ، والعلم رزق ، والحكمة رزق ، والتواضع رزق وكل ما فيه للحياة حركة رزق ، فإن لم يكن عندك مال لتنفق فعندك عافية تعمل لتحصل على المال ، وتتصدق به على العاجز المريض ، وإن كان عندك حلم . . فإنك تنفقه بأن تقي الأحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك ، وإن كان عندك علم أنفقه لتعلم الجاهل وهكذا نرى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
تستوعب جميع حركة الحياة » « 3 » .
من هذا يظهر أن الشعراوي قادر على استنطاق العبارة القرآنية بلغة المفردة القرآنية بكل مخزوناتها المعنوية والفكرية ، ويغترف منها ليلقي هذا الفيض الكبير من المعاني في أذهان السامعين والقارئين ، فينعمون بهذا الخير القرآني الكثير .
إننا لو راجعنا بعض الآراء في تفسير هاتين الآيتين لرأينا وجهات نظر أخرى مغايرة لرأي الشعراوي ، وهذا لا يقلل من قيمة رأي الشعراوي وفهمه للنص ، إنما يضعنا أمام
هامش
( 1 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، مج ( 1 ) ، ص ( 127 ، 128 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : ( 3 ) .
( 3 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، مج ( 1 ) ، ص ( 129 ) .