وقاية . فمن اتقى صفات جلال اللّه أخذ صفات جماله . ولذلك يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلّى الجبار بالمغفرة » . . .
هنا يرى الشعراوي « أن المنطق يقتضي أن يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : تجلى الرحمن بالمغفرة . . لكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عندما يقول : تجلّى الجبار بالمغفرة فهذا يدخل السعادة في قلب المؤمن لأنك تعرف أن صاحب العقوبة وهو قادر عليها قد غفر لك » « 1 » .
خلاصة ذلك أن على المؤمن أن يتقي صفات الجلال ( المنتقم - الغضب - الجبار المتكبر . . . بصفات الجمال : الغفار - الغفور - الرحيم - الرزاق - اللطيف الرؤوف . . الخ .
إن هذا من شأنه أن يربط الإنسان بربه ربطا تصوريا وعمليا في آن معا . . فإذا ارتكبت عملا يعاقبك اللّه عليه بما أخبرك من صفات جلاله ، فالجأ إليه كي تنجو من صفات جلاله محتميا بصفات جماله .
ثم يبدو الشعراوي متمكنا جدا من استكشاف المعاني التي يمكن أن يشمّها الإنسان من تجليات النص وظلاله الموحية عند حديثه عن الغيب ومفهوم الغيب ، وهذه التجليات يوظفها توظيفا حسنا في خدمة تركيز الإيمان ، وتثبيته في النفوس ، تثبتا وتركيزا طاردين لكل الريب والشكوك ، قال تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 )
« 2 » .
« قمة الغيب هي الإيمان باللّه سبحانه وتعالى . . . والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . . » « 3 » . إلى أن يقول مقولة تصلح لجعلها أحد الأسس في المحاججة القائمة بين الجاحدين والمؤمنين جاء عليه النص بأحد تجلياته :
« ولا بد أن نعرف أن وجود الشيء مختلف تماما عن إدراك هذا الشيء ، فأنت لك روح في جسدك تهبك الحياة . . أرأيتها . . أسمعتها ؟ . . أذقتها ؟ أشممتها ؟ ألمستها ؟ .
الجواب : طبعا : لا . . . فبأي وسيلة من وسائل الإدراك تدرك أن لك روحا في جسدك ؟ بأثرها في إحياء الجسد .
إذن فقد عرفت الروح بأثرها . . والروح مخلوق للّه . فكيف تريد وأنت عاجز أن تدرك مخلوقا في جسدك وذاتك وهي الروح بآثارها . . . أن تدرك اللّه سبحانه وتعالى بحواسك ، ونحن إذا آمنا بالقمة الغيبية وهو اللّه جلّ جلاله فلا بد أن نؤمن بكل ما يخبرنا عنه وإن لم نره . . .
هامش
( 1 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، مج ( 1 ) ، ص ( 121 ) .
( 2 ) سورة الجن ، الآية : ( 26 ) .
( 3 ) الشعراوي ، تفسير الشعراوي ، مج ( 1 ) ، ص ( 127 ) .